المرسوم الرئاسي المتعلق بالكرد: اعتراف لغوي أم التزام قانوني؟

عدنان بدرالدين

 

 نص إيجابي في سياق إشكالي

صدر المرسوم الرئاسي السوري الأخير المتعلق بالكرد في لحظة سياسية ودستورية شديدة التعقيد، ورافقه خطاب رسمي يوحي بحدوث تحول نوعي في مقاربة الدولة لمسألة طالما اتسمت بالإنكار أو التهميش. غير أن القراءة القانونية المتأنية، بعيدًا عن التقييمات الانفعالية، تكشف أن النص يجمع بين إشارات إيجابية لا يمكن إنكارها، وبين هشاشة بنيوية ناتجة عن لغته، وشكله القانوني، والسياق الذي صدر فيه. هذه المقالة لا تصدر عن مختص قانوني، ولا تدّعي تقديم تقييم نهائي، بل تعبّر عن رأي شخصي نقدي يهدف إلى إثارة نقاش عام حول مضمون المرسوم وحدوده القانونية الفعلية.

أولًا: المكاسب الأقرب إلى النفاذ

أكثر مواد المرسوم قابلية للتحول إلى التزام قانوني فعلي هي تلك المتعلقة بإلغاء آثار إحصاء عام 1962 ومنح الجنسية السورية للمجردين منها من أبناء الشعب الكردي. أهمية هذا البند لا تكمن فقط في رمزيته السياسية، بل في طبيعته القانونية، إذ إنه يتناول وضعًا قانونيًا فرديًا محددًا هو رابطة الجنسية. متى أُقر هذا الحق نصًا، يصبح امتناع الإدارة عن تنفيذه موقفًا إداريًا يمكن توصيفه كقرار سلبي قابل للطعن، ما يمنح هذا البند وزنًا قانونيًا نسبيًا مقارنة ببقية المواد ذات الطابع الإعلاني.

كذلك، فإن اعتبار عيد نوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر يشكل التزامًا إداريًا واضحًا من حيث المبدأ. ورغم محدودية هذا الإجراء قياسًا بجوهر المسألة الكردية، إلا أنه يندرج ضمن فئة الحقوق التي يمكن التحقق من تنفيذها ومساءلة الجهة الإدارية عند مخالفتها.

ثانيًا: مكاسب قابلة للتراجع أو التفريغ

في المقابل، فإن المواد التي تتناول الاعتراف بالهوية الثقافية للشعب الكردي، وحماية التنوع، واللغة الكردية، تعاني من ضعف واضح في الصياغة القانونية. فهي تعتمد عبارات عامة وغير منضبطة من حيث الأثر القانوني، وتربط الحقوق بقيود فضفاضة، مثل الإحالة إلى “السيادة الوطنية”، أو جعل التعليم باللغة الكردية أمرًا اختياريًا، أو تعليق التطبيق على معايير غير محددة.

هذا النمط من الصياغة لا يُنشئ التزامًا قانونيًا صارمًا بقدر ما يترك مجالًا واسعًا للسلطة التنفيذية لتحديد نطاق الحق ومضمونه ووسائل ممارسته. وبذلك، تصبح الحقوق المعلنة عرضة للتأجيل أو التقييد أو إعادة التفسير، بما يفقدها جوهرها كحقوق فعلية للشعب الكردي.

ثالثًا: الصياغة القانونية غير المنضبطة كآلية تحكم

يلاحظ في المرسوم استخدام متعمد لصياغات قانونية غير حاسمة في قضايا تتطلب بطبيعتها أعلى درجات الدقة. فالتعبير عن الحقوق بصيغ ترخيصية من قبيل “يُسمح” بدل “تلتزم الدولة”، واستخدام إحالات عامة إلى “القوانين النافذة”، يؤدي عمليًا إلى نقل مركز الثقل من النص ذاته إلى الجهة المنفذة.

في الفقه الدستوري الحديث، لا يُعد هذا الغموض حيادًا تشريعيًا، بل يُنظر إليه كآلية ضبط تسمح للسلطة بإعادة تعريف الحق وفق اعتبارات سياسية أو أمنية متغيرة. وفي قضايا تمس اللغة والهوية والمساواة، فإن غياب الصياغة المنضبطة لا يعمل إلا ضد الشعب الكردي بوصفه طرفًا أضعف في العلاقة القانونية مع الدولة.

رابعًا: اللغة الكردية بين الاعتراف الرمزي والصفة الرسمية

يعد توصيف اللغة الكردية في المرسوم كلغة “وطنية” أحد أكثر الجوانب إشكالية من الناحية القانونية. فهذا الوصف، رغم إيجابيته الظاهرية، لا يترتب عليه التزامات محددة في مجالات التعليم أو القضاء أو الإدارة أو الإعلام. ولو أُريد تحصين هذا الاعتراف، لكان الأدق قانونيًا النص على اعتبار اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، كما هو الحال في الدستور العراقي الدائم، بما يضمن استخدامها في التعليم، وفي الإجراءات القضائية، وفي الإعلام العام، وفي مجالات الحياة العامة ذات الصلة.

الفرق بين الصفتين ليس لغويًا فقط، بل قانوني جوهري، إذ إن اللغة الرسمية تنشئ التزامًا على الدولة، بينما تبقى اللغة “الوطنية” في الغالب ضمن نطاق الاعتراف الرمزي غير الملزم.

خامسًا: إشكالية الشكل والشرعية الدستورية

تتضاعف هشاشة المرسوم عند النظر إلى شكله القانوني والسياق الدستوري الذي صدر فيه. فالمرسوم ليس قانونًا صادرًا عن سلطة تشريعية منتخبة، بل عملًا تنفيذيًا صادرًا عن رئيس انتقالي غير منتخب، يستند إلى إعلان دستوري مؤقت. ويزداد الأمر تعقيدًا إذا أُخذ في الاعتبار أن هذا الإعلان الدستوري نفسه قوبل باعتراضات واسعة، سواء من حيث آلية التحضير له، أو تركيبته، أو مضمونه، أو طريقة تمريره، من جانب مكونات أساسية في البلاد، من الكرد والعلويين والدروز، إضافة إلى شرائح واسعة من العرب السنة.

هذا الواقع يضع المرسوم في إطار شرعية انتقالية محل نزاع سياسي ودستوري، ويجعل مفاعيله القانونية عرضة لإعادة التقييم أو الإلغاء في أي مرحلة لاحقة من مراحل إعادة التأسيس الدستوري.

 خطوة سياسية لا ضمانة قانونية

لا يمكن إنكار أن المرسوم يحمل إشارات سياسية إيجابية، وقد يشكل من حيث الشكل خطوة أولى في مسار مختلف عن سياسات الإنكار السابقة. غير أن تحويل هذه الإشارات إلى حقوق محمية يتطلب لغة قانونية دقيقة، ونصوصًا ملزمة، ومؤسسات منتخبة، وضمانات دستورية واضحة. وهذه المقالة، بوصفها رأيًا شخصيًا غير صادر عن مختص قانوني، لا تهدف إلى إصدار حكم، بل إلى التحذير من الخلط بين الاعتراف الرمزي والالتزام القانوني، وبين الخطاب الانتقالي والحق المستقر. فالحقوق لا تُصان بحسن النيات، بل بالدقة، والوضوح، والشرعية.

18 يناير 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خوشناف سليمان في خضمّ التصعيد العسكري والتوتر المتجدّد في سوريا. جاءت رسالة الرئيس مسعود بارزاني لتضع النقاط على الجرح. لا على الحروف فقط. فهي رسالة هادئة في لغتها. لكنها حادة في مضمونها السياسي. لأنها تصطدم مباشرة بجوهر الأزمة السورية.. الإصرار على إدارة بلد متعدد القوميات والمذاهب بعقلية أمنية مركزية أثبتت فشلها منذ عقود. حين يدعو بارزاني إلى وقف القتال بين…

شادي حاجي شكّل كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي الذي عُقد في قامشلو في نيسان/أبريل 2025 نقطة تحوّل في المشهد الكردي السوري، إذ أعاد الاعتبار لفكرة القرار السياسي الجماعي بعد سنوات من الانقسام، وطرح مجدداً السؤال الجوهري : من يقود المشروع الكردي، السياسة أم العسكر ؟ لقد أفرز المؤتمر وفداً كردياً سياسياً مشتركاً يضم مختلف القوى الكردية الأساسية، وكُلّف بإدارة…

سلمان ابراهيم الخليل منذ سقوط نظام بشار الاسد في أواخر عام 2024 لم تستطع قيادات قوات سوريا الديمقراطية ولا قيادات الاحزاب السياسية الكردية قراءة المشهد الميداني والسياسي للواقع السوري ولا دور المفاعيل الاقليمية والدولية وتشابك العلاقة والمصالح بين هذه المفاعيل خاصة امريكا وتركيا في رسم الخارطة السياسية والعسكرية للدولة السورية الجديدة. من الواضح ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب يعيد تشكيل…

أُعلن اليوم الأحد 18 كانون الثاني 2026 عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وذلك عقب اجتماع عقده الرئيس السوري أحمد الشرع مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك في دمشق. ويعد الاتفاق خطوة مفصلية في مسار إعادة ترتيب المشهدين الأمني والإداري في شمال وشرق البلاد، إذ ينص على وقف فوري وشامل…