من الاعتراف القانوني إلى التأسيس الدستوري.. قراءة تحليلية في المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026

خالد حسو

يشكّل المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 محطة مفصلية في مسار الدولة السورية، ليس فقط لما تضمّنه من اعتراف صريح بالمواطنين السوريين الكورد بوصفهم جزءًا أصيلًا من الشعب السوري، بل أيضًا لما يحمله من دلالات دستورية وسياسية تتجاوز طبيعته الشكلية كمرسوم تنفيذي، ليقترب من كونه نصًا تأسيسيًا ذا طابع انتقالي.

من الناحية القانونية، يصدر المرسوم استنادًا إلى أحكام الإعلان الدستوري، ما يمنحه شرعية دستورية من حيث المصدر، دون أن يرقى إلى مرتبة النص الدستوري ذاته. فالمرسوم، وفق القواعد المستقرة في الفقه الدستوري، لا يُعد جزءًا من الدستور ولا يمكن أن يحلّ محلّه، لكنه يشكّل أداة تنظيمية ملزمة خلال المرحلة الانتقالية، وقاعدة قانونية نافذة ما دامت منسجمة مع الإعلان الدستوري وغير متعارضة معه.

دستوريًا، يُحسب لهذا المرسوم أنه كسر أحد أكثر المحرّمات رسوخًا في التاريخ السياسي السوري، والمتمثّل في إنكار التعدد القومي والثقافي. فالنص، ولا سيما في مادته الأولى، يؤسس لمفهوم الهوية الوطنية المتعددة ضمن إطار الدولة الواحدة، وهو مفهوم ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في بناء الدول الوطنية المركّبة، حيث لم يعد الاعتراف بالتنوع يُنظر إليه بوصفه تهديدًا للوحدة، بل شرطًا من شروط استدامتها.

أما في ما يتصل بالحقوق الثقافية واللغوية، فإن توصيف اللغة الكوردية كلغة وطنية، والسماح بتدريسها ضمن مؤسسات الدولة، يمثّل مقاربة قانونية متوازنة، تضمن حقًا ثقافيًا أصيلًا دون المساس بمفهوم اللغة الرسمية أو بوحدة النظام القانوني. وتجد هذه الصيغة ما يساندها في نماذج دستورية مقارنة لدول متعددة القوميات، حيث يُدار التنوع عبر الاعتراف المنظّم لا عبر الإنكار أو القسر.

وتبرز المادة الرابعة بوصفها من أكثر مواد المرسوم حساسية وأهمية من منظور القانون الدستوري وحقوق الإنسان، إذ تعالج بشكل مباشر نتائج إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وتُنهي حالة قانونية شاذة استمرت لعقود. فإعادة الجنسية للمجرّدين منها، وتسوية أوضاع مكتومي القيد، لا تمثل إجراءً إداريًا فحسب، بل تدخل في صميم العدالة الانتقالية، باعتبارها تصحيحًا لخلل بنيوي أصاب مفهوم المواطنة والدولة.

وفي السياق ذاته، فإن اعتماد عيد النوروز عطلة رسمية وطنية يحمل دلالة رمزية تتجاوز البعد الاحتفالي، ليؤكد الاعتراف بالتعدد الثقافي بوصفه عنصرًا جامعًا لا تقسيميًا. كما أن النص المتعلق بحظر التمييز وخطاب الكراهية ينسجم مع التزامات سوريا الدولية في مجال حقوق الإنسان، وإن كان تطبيقه العملي يتطلب تشريعات جزائية دقيقة تضمن عدم إساءة استخدامه أو توظيفه سياسيًا.

ومع ذلك، لا بد من الإشارة أكاديميًا إلى أن القيمة الفعلية لهذا المرسوم ستظل مرهونة بمدى تحويل مبادئه إلى نصوص دستورية دائمة في الدستور السوري القادم، وبمدى صدور قوانين تنفيذية واضحة تترجم هذه المبادئ إلى سياسات عامة مستقرة. فالمرسوم، مهما بلغت أهميته، يبقى بطبيعته قابلًا للتعديل أو الإلغاء ما لم يُحصَّن دستوريًا عبر مؤسسة تشريعية منتخبة.

خلاصة القول، إن المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 لا يشكّل حلًا نهائيًا للقضية الكوردية في سوريا، لكنه يفتح، للمرة الأولى، باب الحل الصحيح: الحل الدستوري القائم على الاعتراف، والمواطنة المتساوية، والشراكة الوطنية. وهو، بهذا المعنى، خطوة تأسيسية شجاعة، تضع الدولة السورية أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء عقدها الاجتماعي على أسس العدالة والتعددية، بدل الاستمرار في سياسات الإنكار التي أثبت التاريخ فشلها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…