في زمن التحديات المصيرية : نحو المرجعية الكردية وحكمة التجربة لدى السيد مسعود بارزاني

ياسر بادلي

تمرّ روج آفا اليوم بواحدة من أدقّ مراحلها التاريخية، مرحلة تتكاثف فيها التهديدات، وتتقاطع المشاريع الإقليمية على حساب الاستقرار الكردي. وفي مثل هذه اللحظات الحساسة، لا تكون القوة وحدها كافية، بل تبرز الحاجة الملحّة إلى الحكمة والخبرة المتراكمة، وإلى قراءة عميقة لمسار التاريخ ودروسه.
لم يكن الكرد يومًا بمنأى عن الاستهداف، غير أنّ ما نشهده اليوم يمثّل تصعيدًا منظّمًا، تُستخدم فيه أدوات متعددة، وتدعمه إرادات لا ترى في أي مكسب كردي سوى خطر يهدد مصالحها. وأمام هذا الواقع المعقّد، تصبح المسؤولية الملقاة على عاتق قيادة روج آفا مسؤولية مصيرية، تتجاوز إدارة الشأن اليومي إلى حماية المستقبل وصون المنجزات.
من هنا، فإن التوجّه نحو المرجعية الكردية، المتمثّلة بالسيد مسعود بارزاني، لا يأتي بدافع العاطفة أو المجاملة السياسية، بل بوصفه خيارًا عقلانيًا نابعًا من التجربة. فبارزاني يمثّل تاريخًا طويلًا من النضال، وخبرة واسعة في التعامل مع التعقيدات الإقليمية والدولية، وقد أثبتت المحطات السابقة أن حضوره كان عامل توازن في أكثر اللحظات حساسية وخطورة.
إن الحاجة اليوم ملحّة لبناء جبهة كردستانية موحّدة، تستند إلى رؤية استراتيجية واضحة، وتضع المصلحة القومية فوق الخلافات الضيقة والحسابات الآنية. فقد علّمتنا التجربة أن الحلفاء قد يتغيّرون، والرهانات قد تخيب، لكن وحدة الكرد تبقى الرهان الأصدق والأكثر ثباتًا، إذا ما أُحسن استثمارها وتحصينها.
إن الاستعانة بحكمة بارزاني، والعمل بروح الشراكة الكردية الجامعة، لا يُعدّ تراجعًا أو ضعفًا، بل خطوة واعية ومسؤولة لحماية روج آفا وصون الحلم الكردي في عموم كردستان. ففي أزمنة الاضطراب، لا ينجح من يرفع صوته أكثر، بل من يملك رؤية أبعد، ويعرف كيف يحوّل التجربة إلى بوصلة للمستقبل.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…