بين التصريحات والدماء: الكورد في الأشرفية والشيخ مقصود ينتظرون مترجمي الضمير

ماهين شيخاني

في أحياء حلب الشرقية،حيث الأشرفية والشيخ مقصود، كُتب ملحمة صمود بإحدى اللغات الأكثر قدماً في المنطقة، وأكثرها تعرضاً للإنكار. إنها معركة وجودية يعيشها الكورد، لا على الجبهات فحسب، بل تحت الأنقاض، وفي عيون الأطفال الذين لم يعد يعرفون معنى للسماء إلا دخان القذائف.

سؤال المفارقة: لماذا هذا الصمت المختلف..؟.
هنا،يفرض نفسه سؤال لا يمكن لأي ضمير حي تجاهله: عندما تعرض إخواننا الدروز في سوريا للخطر، تحركت الطائفة الدرزية الكريمة والشجاعة في إسرائيل كجسد واحد. استخدمت نفوذها الأخلاقي والسياسي، ورفعت الصوت عالياً، ونجحت في حث حكومتها على اتخاذ موقف إنساني فاعل لإنقاذ أبناء جلدتها. كانت معادلة بسيطة: الدم ينتصر على البروتوكول، والهوية المشتركة تُترجم إلى فعل.

لكن أمام مأساة الكورد اليوم، تغيب هذه المعادلة. ومع ذلك، فإن الوقائع تؤسس لمفارقة صارخة:

· يوجد في إسرائيل ما بين 200,000 إلى 300,000 مواطن إسرائيلي من أصل كوردي، يحملون معهم تاريخاً وتراثاً غنياً.
· سُجّل على لسان قادة إسرائيليين على أعلى المستويات، وعلى مرّ السنين، تصريحات واضحة لا لبس فيها عن دعم “الحقوق القومية للشعب الكوردي” والاعتراف بنضاله، بل والدعوة علناً في إحدى المراحل لـ”إقامة دولة كوردية”.

فإذا كانت هذه التصريحات قد أُطلقت في سياقات سياسية واستراتيجية،فإن السؤال الذي تطرحه مذابح حلب اليوم هو: أين يذهب هذا الخطاب حين يتحول إلى قضية إنسانية عاجلة..؟.
أين هو الصوت الجماعي لتلك الجالية.؟.وأين هو التحول الاستثنائي للدبلوماسية من خطاب “الدعم” إلى سياسة “الإنقاذ”..؟. لماذا لا يُترجم ذلك الدعم السياسي إلى حملة ضغط إنسانية، على أقل تقدير، لوقف المجزرة ..؟.

الكورد لا يُقتلون بقذائف المدفعية وحسب، بل يُقتلون بالصمت العالمي المُريب. يُقتلون لأن مأساتهم، رغم ضخامتها، لا تجد من يرفعها من مستوى “صراع محلي” إلى مستوى “كارثة إنسانية تستدعي تدخلاً عاجلاً”. إنه صمت يُعيد إلى الأذهان معايير انتقائية مؤلمة في قيمة الدم البشري.

إن ما حدث في الأشرفية والشيخ مقصود هو اختبار مصداقية.اختبار للمجتمع الدولي الذي يتحدث عن حماية المدنيين، واختبار للدول التي أعلنت دعمها للكورد، واختبار لكل ضمير إنساني.

الكورد لا يطلبون شفقة، بل يطالبون بتحويل الخطاب إلى مسؤولية. يطلبون أن يُسمع صدى انهيار بيوتهم في أروقة القرار. إنهم يذكّرون العالم بأن الحقوق لا تُمنح في الخطب وتُسحب في ساحات الموت.

لقد حان الوقت لكي يصرخ كل من تحدث عن “حق الكورد” ليطلب الآن بـ”إنقاذ الكورد”. فالشرفاء لا يختارون مواقفهم حسب تقلبات المصالح، بل يلتزمون بالمبادئ حيثما وُضعوا على المحك. والدم الكوردي، مثل أي دم آخر، ثمنه البقاء الإنساني نفسه.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…