سمكو عمر لعلي
قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم.
وهنا تبرز ضرورة توضيح واقع إدارة الدولة السورية المؤقتة، التي تسلّمت مقاليد السلطة في دمشق في سياق إقليمي ودولي معقّد، وبمساعدة قوى دولية فاعلة تتحكّم إلى حدّ كبير بمسارات السياسة العالمية، ولا سيّما في الشرق الأوسط. هذه الإدارة لم تنشأ من إرادة شعبية حرة، بل جاءت في ظل توازنات مصالح، وتحالفات عابرة، وحسابات لا تُقيم وزناً كافياً لحقوق الشعوب ومعاناتها.
وفي المشهد السوري الراهن، يمكن تمييز طرفين أساسيين:
الأول هو بقايا داعش و منظومة قديمة، متشابكة مع أصحاب المصالح الضيقة، تتلوّن كما الحرباء، تغيّر مواقفها ومبادئها، بل وحتى خطابها الديني والأيديولوجي، وفق ما تمليه عليها مصالحها الآنية. لا ثبات لها إلا على الامتياز، ولا ولاء لها إلا للسلطة.
أما الطرف الثاني، فهو المكوّن الحقيقي والأصيل للمجتمع السوري، المكوّن من الكرد والدروز والعلويين، وسائر المسلمين والمسيحيين، والإيزيديين، وغيرهم من الجماعات التي شكّلت النسيج التاريخي والاجتماعي لسوريا منذ تأسيس الدولة. هؤلاء هم عماد البلاد، وحراس تنوّعها، وصنّاع تاريخها، ومع ذلك كانوا – ولا يزالون – الأكثر تهميشاً، والأشدّ تعرضاً للظلم والإقصاء. فلا بد أن يصنعوا لأنفسهم قوات لحمايتهم في ظل هذا الفوضى
وفي قلب هذا الصراع، يقف الشعب السوري البسيط، المغلوب على أمره، يدفع الضريبة الأكبر منذ تأسيس الدولة السورية وحتى اليوم. ضريبة الاستبداد، وضريبة الصراع على السلطة، وضريبة غياب العدالة، وهو لا يزال يدفعها دماً ودموعاً وحرماناً، دون أن يكون شريكاً حقيقياً في القرار أو مصير البلاد.
ومن هنا، لا بدّ من قول الحقيقة دون نقصان،
اذاً. سيبقى القتل مستمراً، وسيظل العنف سيّد المشهد، ما دامت السلطة تُدار بقوة السلاح، لا بقوة القانون، وما دامت العقلية الحاكمة ترفض الاعتراف بالآخر، وتُقدّم مصالحها الفئوية على مصلحة الشعب بأكمله. ولن يتوقف هذا النزيف إلا عندما يتغيّر هذا العقل، ويُعاد بناء مفهوم الدولة على أساس العدالة والمواطنة المتساوية، دون تمييز أو إقصاء.
فالقانون لا يُفرَض بالقوة، بل يُحترَم بالشرعية، ولا يُطبَّق بالسلاح، بل يُصان بإرادة وطنية صادقة، تجعل مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.