بارزاني: الحوار بديلاً عن الإقصاء والتطهير العرقي

أحمد آلوجي

إنّ الرئيس مسعود بارزاني أظهر في تصريحه الأخير حرصًا بالغًا على منع أي محاولات للتطهير العرقي في المناطق الكوردية، مؤكّدًا أنّ لغة الحوار هي السبيل الأمثل لمعالجة الخلافات السياسية. وقد تجلّى هذا الموقف ليس فقط في مضمون خطابه العلني، بل أيضًا في الاتصال الهاتفي الذي تلقّاه من الرئيس أحمد الشرع، حيث شدّد الطرفان على ضرورة تجنّب سياسات الإلغاء والبحث عن حلول عادلة تحفظ حقوق جميع المكوّنات السورية.

لكن في المقابل، ما يجري اليوم في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب يكشف عن محاولات الحكومة الانتقالية في دمشق فرض واقع من الحصار والتجويع والاعتقالات والاستهداف المباشر للمدنيين. هذه السياسات ليست جديدة، بل هي امتداد لنهج قديم يسعى إلى إخضاع الكورد وإجبارهم على القبول بنموذج من التدجين والترويض، شبيه بما فُرض على الأحياء الكوردية في دمشق خلال العقود الماضية. وهي ممارسات تتناقض جذريًا مع مخرجات اتفاق العاشر من آذار، الذي كان من المفترض أن يشكّل إطارًا لمرحلة انتقالية أكثر عدلًا وتوازنًا.

إنّ ما يحدث يعيد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا حول طبيعة السلطة في سوريا: هل هي سلطة تسعى لبناء دولة مواطنة، أم أنها تواصل إعادة إنتاج نموذج مركزي إقصائي قائم على الهيمنة الأحادية؟ فالتجارب التاريخية منذ ستينيات القرن الماضي تُظهر أنّ السلطة المركزية تعاملت مع المكوّنات القومية والدينية بمنطق الشك والاحتواء القسري، وليس بمنطق الشراكة الوطنية. ولم يكن الكورد وحدهم ضحايا هذه السياسات، بل إنّ التاريخ السوري الحديث مليء بالأمثلة التي تؤكد أنّ السلطة تعاملت مع التنوع بوصفه تهديدًا لا ثروة.

ففي عام 1962، فُرض “الإحصاء الاستثنائي” في محافظة الحسكة، جُرّد بموجبه أكثر من 120 ألف كردي من جنسيتهم ليصبحوا “أجانب” في وطنهم. ثم جاء مشروع “الحزام العربي” في السبعينيات ليُكمل عملية التغيير الديموغرافي عبر نقل آلاف العائلات من مناطق أخرى وإسكانها في شريط حدودي، بهدف تفتيت الوجود الكردي التاريخي. هذه السياسات ليست مجرد أحداث تاريخية، بل هي جذور لما نشهده اليوم من محاولات فرض حصار وتطويع على الشيخ مقصود والأشرفية.

ولم يكن المكوّن الدرزي في السويداء بمنأى عن هذه الذهنية، إذ تعرّض لمحاولات متكررة للهيمنة عليه، بداية بتأليب البدو ضده في عهد النظام السابق، وصولًا إلى الهجوم المسلح الذي شنّته السلطة الانتقالية الحالية. أما الطائفة العلوية، ورغم الصورة النمطية التي تربطها بالسلطة البائدة، فقد دفعت أثمانًا باهظة نتيجة زجّها في صراعات لا تخدم مصالحها، وتحويلها إلى كتلة صامتة تُستخدم كغطاء سياسي وأمني، وهي اليوم في مواجهة وجودية مع السلطة الحالية.

إنّ هذا النمط المتكرر من التعامل مع المكوّنات السورية المختلفة يكشف عن أزمة عميقة في بنية السلطة الانتقالية، التي تبدو وكأنها تسعى لإعادة إنتاج النموذج ذاته بدل تجاوزه. فبدل أن تكون الحكومة الانتقالية جسرًا نحو دولة جديدة، تبدو اليوم وكأنها تحاول تثبيت نموذج أحادي يرفض الاعتراف بالحقوق القومية للكورد، ويخشى أي شكل من أشكال الإدارة الذاتية أو التمثيل السياسي المستقل. وما يحدث في الشيخ مقصود والأشرفية ليس حدثًا منفصلًا، بل هو محاولة جديدة لإعادة إنتاج السياسات القديمة ذاتها.

إنّ هذا النهج لا يهدد الكورد وحدهم، بل يهدد مستقبل سوريا بأكملها. فالدولة التي تُبنى على الإلغاء لا يمكن أن تستقر، والمجتمع الذي يُدار بالعصا لا يمكن أن يتماسك، والسلطة التي تخشى التنوع لا يمكن أن تقود مستقبلًا مشتركًا. ومن هنا، فإنّ مشروع إقصاء الكورد لن يمرّ كما يُخطط له. فالكورد اليوم أكثر وحدة وصلابة، وقد أثبتوا عبر تاريخهم أنهم لا يتنازلون عن حقوقهم المشروعة التي تكفل أمنهم وتحفظ هويتهم وتصون كرامتهم. لكن الرسالة الأهم هي أنّ الدفاع عن الحقوق الكردية ليس قضية كردية فقط، بل هو جزء من معركة وطنية أوسع للدفاع عن حق كل مكوّن سوري في الوجود والاعتراف والشراكة العادلة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عدنان بدرالدين ليس كل احتجاج حدثًا سياسيًا، لكن بعض الاحتجاجات تتحول إلى علامات فارقة. ما تشهده المدن الكردية اليوم، في أكثر من ساحة، وعلى أكثر من خط تماس، وفي الشتات أيضًا، يوحي بأننا أمام ظاهرة من هذا النوع: حراك شعبي واسع يسبق السياسة بدل أن يُقاد بها. هذا الغضب لا يبدو موجة عابرة سببها قرار أو حادثة، بل أقرب إلى…

عبدالجابر حبيب إلى أبناء الحسكة والقامشلي الأعزاء، عرباً وكورداً ومسيحيين، ومن جميع الطوائف والمشارب… لقد كنّا إخوةً منذ زمنٍ لم يعد له عدد، زمنٌ صاغ وجوهنا معاً، وكتب على أرصفة الشوارع ضحكاتنا، وأشعل على مآذن المساجد أجراس أفراحنا، ودفن في الكنائس دموعنا حين عاندنا الحزن. الأخوّة بيننا لم تكن مجرد كلمة تُلقى على ألسنة العابرين، بل كانت نبضًا يضيء في…

نورالدين عمر رغم الهجمة التي يتعرض لها الكرد عامة وروجافا خاصة، ورغم كل الانتهاكات التي ارتُكبت بحق الكرد من قبل قوات السلطة في دمشق وفصائلها، إلا أن هناك ثلاث ممارسات تضر بالقضية الكردية في المحافل الدولية، وينبغي تجنبها. وسأكتب عنها باختصار شديد: تجنب استهداف الرموز الوطنية وأعلام الدول: إن حرق الأعلام والرموز الوطنية للدول لا يمثل شجاعة سياسية،…

في ظلّ الظروف الإنسانية الكارثية والمتفاقمة التي تشهدها منطقة كوباني الكردية في سوريا، تُعرب محلية كوباني للمجلس الوطني الكردي في سوريا عن إدانتها الشديدة للحصار الخانق الذي تفرضه قوات الحكومة السورية على المنطقة، والذي يُعدّ انتهاكاً صارخاً لكافة القوانين والأعراف الدولية والمواثيق الإنسانية، وعلى رأسها القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، التي تحرّم تجويع المدنيين واستخدام الحصار كوسيلة للعقاب الجماعي. لقد…