الشيخ مقصود والأشرفية بين الحصار والتضليل

نورالدين عمر 

بين فكي حصار خانق ونيران لا ترحم، يرزح حيا الشيخ مقصود والأشرفية تحت وطأة مأساة إنسانية متصاعدة، نتيجة جولات من القصف المتبادل الذي لا يدفع ثمنه في المحصلة سوى المدنيين الأبرياء. ومع كل جولة تصعيد، تتكرس حقيقة ثابتة مفادها أن الأحياء السكنية المحاصرة هي الخاسر الأكبر، وأن المدنيين هم الوقود الدائم لهذه المواجهات غير المتكافئة.

تتجلى وحشية المشهد في آلة الحرب التابعة للسلطة، التي لم تتردد في توظيف كامل ثقلها العسكري، من دبابات ومدرعات وحشود بشرية، في مواجهة أحياء مكتظة بالسكان، لا تملك قواها الأمنية سوى أسلحة فردية بسيطة وإرادة صمود فرضتها سنوات من العزل والحصار. وفي بقعة جغرافية ضيقة، تقطعت فيها سبل الإمداد والحياة، يتحول كل قصف إلى تهديد مباشر للبقاء، لا إلى رسالة عسكرية محددة الأهداف.

وإلى جانب المعركة العسكرية، تدور معركة موازية لا تقل خطورة، تقودها الآلة الإعلامية الموالية لدمشق، مدعومة ببعض المنابر العربية التي اختارت موقع التضليل بدل المهنية. فهذه الوسائل تمارس تزييفا ممنهجا للوعي العام، عبر بث روايات مجتزأة ومقلوبة، تسعى إلى تحميل قوى الأمن الداخلي وحدها مسؤولية القصف، متجاهلة الوقائع الميدانية التي تثبت أن القسم الأكبر من الضحايا والدمار يقع داخل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية نفسها.

هذا الخطاب الإعلامي لا يكتفي بتشويه الحقيقة، بل يساهم بشكل مباشر في شرعنة استخدام القوة المفرطة ضد مناطق مدنية، عبر تغييب صورة الضحية وتحويلها إلى متهم. وفي هذا السياق، تتحول المعاناة الإنسانية إلى مادة للتلاعب السياسي، ويغيب الحديث عن القصف العشوائي والترسانة الثقيلة التي لا تميز بين مقاتل ومدني، ولا بين هدف عسكري وبنية حياة يومية.

إن ما يجري في الشيخ مقصود والأشرفية لا يمكن اختزاله في كونه اشتباكا عسكريا عابرا، بل يمثل محاولة واضحة لكسر إرادة منطقة كاملة عبر سلاحين متلازمين: النار والتضليل. وبين صمت دولي مريب، ودعم عربي مباشر أو غير مباشر للسلطة، يطبق الخناق على مئات الآلاف من المدنيين الذين يواجهون الموت مرتين، مرة بالقذائف، ومرة عبر إنكار معاناتهم وتشويه واقعهم.

في المحصلة، تكشف هذه المأساة عن معادلة قاسية تتكرر في المشهد السوري: حين تعجز القوة العسكرية عن فرض الاستسلام، يجري استدعاء الإعلام لتبرير الدمار، وحين يغيب الرأي العام عن الحقيقة، يصبح المدنيون وحدهم شهودا وضحايا في آن واحد.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…

د. محمود عباس من كوردستان في ذاكرة الطفل إلى كوردستان في عتمة السياسة طوال قرن كامل، جرّب الحراك الكوردستاني تقريبًا كل لغة سياسية ممكنة لإقناع الدول التي اقتسمت كوردستان بأن الشعب الكوردي ليس ضيفًا على أرضه، ولا أقل شأنًا من الشعوب التي أُنشئت لها دول وحدود وحكومات. تحدّث الكورد عن الأخوّة، والمواطنة، والوطنية المشتركة، والديمقراطية، واللامركزية، والفيدرالية، وتقاسم السلطة، وبناء…