شادي حاجي
لقد بات معروفاً أنه في سياق النزاعات المسلحة والتحولات السياسية، تُثار بين- الحين والآخر- فكرة “اندماج القوى العسكرية المحلية في الدولة المركزية” كحلّ لإنهاء الصراع. لكن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه في حالة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هو:
هل يمكن أن يُطلب من قسد دمج قواتها العسكرية قبل أن يتم التفاهم على تسوية سياسية واضحة وشاملة تضمن حقوق الشعب الكردي وفق الرؤية السياسية الكردية المشتركة، والمكونات الأخرى التي تمثلها في الدستور وشكل الدولة؟
الإجابة ليست فقط لا منطقية، بل يمكن قراءتها كخطأ سياسي وقانوني استراتيجي قد يطيح بأية آفاق للتسوية إذا لم تصاحب ذلك ضمانات سياسية قابلة للتنفيذ.
أولاً: طبيعة امتلاك القوة العسكرية كأداة للتفاوض
ليست القوة العسكرية وامتلاك السلاح مجرد أداة قتالية، بل هو في كل النزاعات الحديثة ورقة تفاوضية و”ضمانة” للجهة المسلحة. عندما ترتبط القوة المسلحة بمكونات قومية أو دينية أو طائفية، فإن قوتها وسلاحها يصبح:
ضماناً لحماية تلك المكونات من الإقصاء أو التهميش بعد الاتفاق.
وسيلة ضبط للتوازن خلال المرحلة الانتقالية.
أداة ضغط لتثبيت الحقوق السياسية ضمن الدستور أو الأطر القانونية الجديدة.
لذلك، يُعدّ إجراء عملية الدمج العسكري قبل أي تفاهم سياسي بمثابة سحب لضمانات التفاوض، ما سيجعل أي اتفاق غير متوازن.
ثانياً: تجارب دولية مقارنة
لننظر إلى بعض التجارب:
أ. أيرلندا الشمالية (حزب الجيش الجمهوري الإيرلندي – IRA)
بعد عقود من العنف، لم تُقدَّم أي تسوية حقيقية دون عملية سياسية معقدة استغرقت سنوات. الترتيبات:
شملت اتفاقات مكتوبة (اتفاق الجمعة العظيمة 1998).
تضمنت آليات تنفيذ واضحة، مثل المشاركة في المؤسسات وتفكيكاً تدريجياً للسلاح تحت إشراف دولي.
لم يُطلب من الـ IRA أن يسلّم سلاحه من البداية، بل تم تفكيكه وفق جدول زمني مرتبط بتنفيذ بنود سياسية.
العبرة هنا: تكمن في أن التخلي عن السلاح كان مرتبطاً بتقدم سياسي ملموس، لا بمجرد وعود.
ب. كولومبيا (الفارك)
عقب اتفاق السلام 2016، لم ينسحب مقاتلو فارك بشكل فوري إلى الحياة المدنية دون آليات ضمان:
مناطق إعادة إدماج مؤقتة.
آليات تحقيق العدالة الانتقالية.
ضمانات سياسية وتوزيع الأراضي.
مراقبة دولية لعمليات التسليم والاندماج.
كان الدمج أو ترك السلاح جزءاً من سلسلة خطوات قانونية مربوطة بنتائج ملموسة.
ج. الباسك (ETA) في إسبانيا
بعد عقود من العنف، قررت المنظمة حلّ نفسها، لكن ذلك جاء بعد:
سنوات من الحوار غير المباشر.
قبول الدولة الإسبانية لآليات سياسية تسمح بالحفاظ على هوية ثقافية وسياسية معيّنة داخل الإطار الدستوري.
مُجمل التجارب تؤكد أن الدمج العسكري أو ترك السلاح هو نتيجة لعملية تفاوضية متدرجة، وليس شرطاً مبدئياً قبل تحقيق أي تقدم سياسي.
ثالثاً: ما الذي تعنيه التسوية السياسية والدستورية؟
للإجابة عن هذا السؤال أرى أن التسوية السياسية ليست مجرد حوارات على الورق أو عهود غير ملزمة، بل إنها تتطلب تعريفاً واضحاً للحقوق الدستورية:
الاعتراف بهوية وحقوق المكونات القومية والدينية والطائفية المشروعة.
ضمانات لغوية وثقافية وخصوصية المكونات.
آليات دستورية لحماية هذه الحقوق ببنود دستورية شفافة، ملزمة، ومحصّنة بنصوص فوق دستورية تحول دون العبث بها بالأغلبية السياسية العابرة.
ترتيبات لإعادة توزيع السلطة:
وفق النظام الفيدرالي أو شكل من أشكال اللامركزية أو الحكم الذاتي داخل الدولة.
مشاركة في مؤسسات صنع القرار.
آليات تنفيذ قابلة للقياس:
نصوص واضحة في الدستور أو قوانين تنفيذية.
أدوات قضائية مستقلة تُراقب التزام الدولة.
رابعاً: ما هي الضمانات الحقيقية، وليس مجرد وعود؟
لكي تكون التسوية أكثر من مجرد خطاب، يجب أن تشمل ما يلي:
تأمين الإقرار الدستوري الصريح عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي وحقوق وخصوصية المكونات الأخرى (الدروز- العلويين – المسيحيين – وآخرين)، لا مجرد عبارات عامة ومصطلحات فضفاضة.
آليات دولية للرقابة على التنفيذ (قد تكون عبر بعثة أممية “الأمم المتحدة” أو الاتحاد الأوروبي أو ضامن دولي “أمريكا”).
جدولاً زمنياً واضحاً للخطوات:
انتقالاً سياسياً، تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور، انتخابات مجلس الشعب، قانون الأحزاب، إصلاحات إدارية، ثم الدمج العسكري التدريجي في وزارة الدفاع.
آليات عدالة انتقالية حقيقية تضمن مساءلة عادلة ومعادلات للمصالحة.
الوعود غير الملزمة تنهار أمام التغيير السياسي الواقعي، كما تُظهر التجارب الدولية.
خامساً: الخلاصة
إن طلب اندماج قسد قبل اتفاق سياسي ودستوري واضح، وفق الرؤية السياسية الكردية المشتركة، عن طريق تفعيل دور الوفد السياسي الكردي المشترك ومشاركته في المفاوضات، ليس فقط غير معقول من الناحية القانونية، بل يعكس فهماً خاطئاً لطبيعة التسوية السياسية.
العملية الأصح هي:
تسوية سياسية دستورية ذات ضمانات قابلة للتنفيذ.
جدول زمني للخطوات العملية.
دمج تدريجي للقوات مع آليات تنفيذ ورقابة واضحة.
بدون ذلك، يتحوّل الدمج العسكري إلى تصفية للقوة السياسية، وليس تحويلها إلى شريك معترف به في الدولة.
وإلى مستقبل أفضل.