قسد بين حسابات أنقرة وواشنطن: كيف تُدار لحظة الخطر؟

صديق شرنخي

تدخل قضية قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مرحلة حساسة مع كل حديث عن تواصل أميركي–تركي، خاصة حين يكون رجب طيب أردوغان في ذروة أزمته السياسية والاقتصادية. فالتجربة السابقة عام 2019، وما رافقها من ضوء أخضر أميركي لاجتياح كري سبي وسري كانيه، ما تزال حاضرة في الذاكرة الكردية، لكنها لا يمكن إسقاطها آليًا على واقع اليوم المختلف جذريًا.
أولًا، ما الذي يجب أن تفعله قسد الآن؟
المعركة في هذه المرحلة ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية وإعلامية. على قسد أن تُكثّف حضورها في مراكز القرار الأميركية، ليس فقط عبر القنوات العسكرية التقليدية مع البنتاغون، بل عبر الكونغرس، مراكز الدراسات، ووسائل الإعلام المؤثرة. تثبيت صورة قسد كعامل استقرار، لا كقوة أمر واقع، هو جوهر المعركة.
كما أن تذكير واشنطن المستمر بخطر عودة داعش في حال أي فراغ أمني هو ورقة قوية، لأن هذا الخطر يمس الأمن القومي الأميركي مباشرة. داخليًا، تحتاج قسد إلى خطاب هادئ غير استفزازي، يبتعد عن لغة التحدي، ويُظهر استعدادًا للحلول السياسية ضمن سوريا موحدة لا مركزية، ما يسحب الذرائع من يد أنقرة.
ثانيًا، كيف نقرأ لغة التصعيد التركية؟
التصعيد التركي غالبًا ما يكون متعدد الوظائف: داخليًا لتعبئة القاعدة القومية، وخارجيًا لتحسين شروط التفاوض. التهديد لا يعني دائمًا نية الحرب، بل كثيرًا ما يكون أداة ضغط. الفارق اليوم أن أردوغان لا يملك هامش المناورة نفسه؛ الاقتصاد منهك، والغرب واسرئيل أقل تسامحًا، وأي عملية عسكرية واسعة قد تفتح باب عقوبات أو تصعيد غير محسوب مع أطراف دولية موجودة على الأرض السورية.
لذلك، فإن التصعيد المرجّح سيكون محسوبًا: قصف محدود، تهديدات إعلامية، أو عمليات أمنية ضيقة، لا اجتياح شامل. قراءة هذا التصعيد بهدوء، وعدم الانجرار إلى ردود فعل متسرعة، هو بحد ذاته عنصر قوة لقسد.
ثالثًا، أين تقف أوروبا إذا اندلع التصعيد؟
أوروبا اليوم ليست لاعبًا عسكريًا مباشرًا، لكنها لاعب سياسي مؤثر. فرنسا وألمانيا تنظران إلى قسد كحاجز أمام الفوضى والإرهاب، وأي عملية تركية واسعة ستُحرجهما أمام الرأي العام. صحيح أن أوروبا لن تدخل حربًا لأجل قسد، لكنها قادرة على لعب دور ردعي عبر الضغط الدبلوماسي، التلويح بالعقوبات، وتعطيل أي شرعنة دولية لخطوات أنقرة.
الأهم أن أوروبا تخشى موجة لجوء جديدة، وهذا يجعل الاستقرار في شمال وشرق سوريا مصلحة أوروبية مباشرة، لا مجرد تعاطف سياسي.
الخلاصة
اللحظة الراهنة ليست لحظة اجتياح شامل، بل لحظة اختبار أعصاب وتوازنات. أردوغان يسعى لاستعادة هيبة مفقودة، لكنه يواجه واقعًا دوليًا أكثر تعقيدًا. وقسد، إن أحسنت إدارة أدواتها السياسية والإعلامية، قادرة ليس فقط على تفادي “مظلمة جديدة”، بل على تثبيت موقعها كرقم صعب لا يمكن تجاوزه في أي معادلة سورية قادمة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…