هل ستهدأ سوريا في ظّل الجولانية؟ أم أن معركة تثبيت القدم، ستجرف كل البلاد؟

فرحان كلش
أكثر من سنة على سقوط الأسدية المجرمة ولم يلمس السوريون، خاصة أؤلئك الذين حلموا بأن كل ثورة تجلب معها بالضرورة تغييراً ما، فارقاً بنيوياً في الإقتصاد والحريات، بل انقسموا عمودياً إلى جزء يؤمن بأن تبديل شخص علوي بالمسمى الطائفي بشخص آخر من طائفته هو منتهى وأقصى ما يمكن أن تنتجه ثورة، وجزء من السوريين يحدثون مقارنة منطقية بين الشخصين الهارب من الحكم والواثب على كرسيه، فلم يجدوا تغييراً متوافقاً مع الكم الهائل من تضحيات الشعوب السورية.
إن دفع الحالة السورية المهترئة إلى الأمام على عجلات غير دائرية، سيحدث عطباً إضافياً ومديداً للجرح السوري الذي يُراد أن يكون مفتوحاً ومؤلماً ريثما تتثبت وتتحقق مصالح الجميع بغض النظر عن مصالح الشعب السوري.
كما يمكن التحقق من أن سوريا بتنوعها القومي والطائفي لا يمكن أن تُدار بأيديولوجيا معينة، إنما من خلال عملية انفتاح ديمقراطي واسعة على مجمل التباينات الفكرية لدى الشعوب السورية، ودون ذلك ستبقى الأزمة السورية تجتر ذاتها، ويبقى السوري متواصلاً في دوامته الحياتية بحثاً عن أمانه، ولقمة عيشه.
وهنا تبدو المفارقة، حيث يحاول الجولاني تعميم نموذجه الآيديولوجي، المستند إلى فكر سلفي-جهادي، والذي من الممكن أن تتوافق مع رؤية جزء من الشعب السوري، الأمر الذي سيشكل الحلقة الأساسية في إحداث شرخ اللاتوافق بين أطراف الرؤى المتباينة.
الجولاني يحتاج إلى أمرين اثنين لاستمرار حكمه، الأول أن يتنازل للخارج قدر ما يحقق مطالبهم على حساب المواطن والوطن السوري، أو أن يعمل تسوية داخلية شاملة وبابعاد سياسية وحقوقية غير مواربة.
ولكن للأسف، هؤلاء الذين خرجوا من رحم هتش لا يمكنهم إلا السير والنظر في اتجاه واحد، ويتخيلون بأنه يمكنهم الضحك على العالم من خلال الاختباء خلف ما تدفعه السعودية وقطر لأمريكا من أجل شراء موقفها في لحظة إدارة ترامب، وكذلك قد يكون حمل جعبة السهام للرامي التركي ضد جزء من الشعب السوري(الكرد)، عاملاً حاسماً في تثبيت أركان حكمهم في دمشق، غير أن الحقيقة مختلفة تماماً، وتكمن في التناقض البنيوي، بين رؤية هتش لإدارة البلاد، وحقيقة أن أجزاء واسعة من السوريين ورغم خفوت صوتهم لا تراهم بديلاً واقعياً عن نظام ديمقراطي حقيقي يقود البلاد.
والمؤكد أن محاولات القوى المصنفة على الجولانية تثبيت أقدامها في سدة الحكم في دمشق بعقليتها (الإدارية الإدلبية)، لن تمر دون سفك دم، ربما أكثر مما سُفك على مدار العقد الماضي من الصراع، وكذلك وإن نجحت في ظروف خاصة، لن يثبت الحكم إلا على موقد قابل للاشتعال في أية لحظة.
باختصار، لن تهدأ سوريا، في ظل الجولانية، وإن حول مريدوها رش الورد على الجمر، وزينوا الخراب بأقمشة خضراء، وتغطوا بشعارات دينية مضللة، وإن جعلوا مقولة الله أكبر نشيداً وطنياً للبلاد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…