الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزيرة – 2/6

د. محمود عباس

 

حين فشل الهجوم المباشر على تاريخ الجزيرة، جرى نقل المشروع إلى الداخل الكوردي.

ذلك أنّهم أدركوا، متأخرين، أنّ كوردستان لا تُحتل بالسلاح وحده، بل باستعمار ذاكرتها أولًا. وحين عجزوا عن إنكار الوجود الكوردي في الجزيرة الكوردستانية بالتزوير، وتحريف التاريخ، والقوة العارية، سعوا إلى إنزاله قسرًا إلى منزلة «الضيف» على تراب أجداده، وتحويله من صاحب حقّ أصيل إلى شاهدٍ مُدان على قبر تاريخه، لا وريثًا له ولا مالكًا لشرعيته.

أمام هذا المشروع العنصري، خضنا صراعًا طويلًا وشاقًا. ومن خلال كتاباتٍ موسّعة، وعشرات الدراسات والمقالات التاريخية والفكرية والسياسية، تمكّنّا، مع مجموعة من الكتّاب الكورد، من تفكيك هذه الجدلية العقيمة، وفضح بنيتها العنصرية، وتعريتها أمام الرأي العام، عبر تقديم مئات الوثائق والمصادر التي كشفت زيف منشوراتهم، وسطحية كتبهم، وتلفيق سردياتهم، وأظهرت أن ما سُمّي يومًا «نقاشًا تاريخيًا» لم يكن سوى مشروع إنكار مُمنهج بلبوسٍ معرفي زائف.

غير أنّ ما يتكشّف اليوم يثبت أنّ تلك الذهنية لم تمت، بل كانت تنتظر لحظة أكثر دهاءً، ومخططًا أشدّ مكراً وقدرةً على الخداع. فبعد أن كان الاستهداف ينطلق من البنية الاجتماعية العربية، جرى تحويل البوصلة عمدًا نحو الداخل الكوردي نفسه، بالارتكاز على البنية الاجتماعية الكوردية ذاتها، وباستخدام أساليب «ناعمة» وذكية في تضليل الوعي.

تمّ ذلك عبر تمجيد العشيرة على حساب الحراك الكوردي السياسي والثقافي، وتقديم الخطاب على أنه دفاع عن التاريخ والهوية، فيما هو في جوهره تفريغٌ ممنهج لهما. هكذا بات النص يُسوَّق بوصفه خدمة لتاريخ الشعب الكوردي، بينما يضخّ في ثناياه، صفحة بعد أخرى، جرعاتٍ قاتلة من السمّ الفكري، تُزرع بعناية في الذاكرة الجمعية لتفكيكها من الداخل، لا لكشفها أو حمايتها.

ولهذا، لم يعد من السهل على البسطاء، ولا سيما أولئك الغارقين في تمجيد الذات العائلية والمنبت العشائري، إدراك حقيقة ما يُنشر باسم الدفاع عن التاريخ. فالدعاية الجديدة لا تأتي على هيئة هجومٍ مباشر، بل في شكل تمجيدٍ ملغوم، يخفي خلفه أفكارًا كارثية تهدّد مستقبل الأمة الكوردية، وتعيد إنتاج منطق الإقصاء والإنكار بأقنعةٍ كوردية هذه المرة.

لم يعد أعداء الشعب الكوردي يعملون بردود أفعال مرتجلة أو حملات عشوائية، بل باتوا يمتلكون مؤسساتٍ متخصصة، ومراكز أبحاث، وميزانياتٍ مخصّصة حصريًا لهذا الغرض. الأخطر من ذلك أنهم لا يكتفون بالعمل من الخارج، بل يُجندون، بوعيٍ أو دون وعي، أفرادًا من داخل المجتمع الكوردي نفسه، يشاركون، من حيث لا يدركون، في ارتكاب بشائع فكرية وتاريخية بحق قضيتهم وذاكرتهم الجماعية.

 ومن هنا، فإن تعرية هذه المؤسسات والمخططات أمام الشريحة الكوردية الساذجة لا يمكن أن تكون مهمة عابرة، بل مسارًا طويلًا من التحليل، والتفكيك، والنقاش العميق، تمامًا كما حدث في مواجهة المخططات العنصرية السابقة، بل وربما أصعب هذه المرّة.

في المراحل السابقة، كانت المواجهة شبه مباشرة، رغم ما شابها من خداع. آنذاك، جرى تجنيد بعض الأقلام الكوردية تحت عناوين براقة مثل «الحوار الوطني» أو «إتاحة المنابر لعرض القضية الكوردية»، دون أن يدرك كثيرون أنهم يتحركون داخل أقبية شبه أمنية، وقاعاتٍ مغلقة، لا يُسمح فيها بخروج الأصوات إلا بقدر ما يخدم السردية المعدّة سلفًا. كان يُسمح لهم بعرض حجج محددة، وفي المقابل تُنشر عشرات المفاهيم المفرغة من مضمونها، لتبدو النتيجة وكأنها نقاش ديمقراطي متكافئ، بينما الحقيقة أن تلك المشاركات لم تغيّر شيئًا في الواقع العملي، بل منحت خصوم القضية مصداقية زائفة، وشرعية ادّعاء «الانفتاح» و«الوطنية». ولم يدرك بعض الإخوة خطورة هذه المعادلة إلا بعد زمنٍ غير قصير.

أمّا اليوم، فالمخطّط بات أكثر قذارةً وتعقيدًا، ومصاغًا بدقّة عالية. لم يعد القائمون عليه يهاجمون القضية الكوردية وتاريخ الأمة مواجهةً، بل أوكلوا هذه المهمّة إلى بعض المثقفين البسطاء على صفحات التواصل الاجتماعي الكوردية، وإلى شخصيات اجتماعية يُدفع بها عمدًا إلى الواجهة لتكتسب صفة «الاعتبار»، وإلى انتهازيين لا يرون أبعد من مصالحهم الفردية الضيقة.

تُدار العملية بأوامر غير مباشرة، يُحدَّد فيها متى يُبثّ السم، ومتى يُعاد توجيه الأدوات، ومتى تُبدَّل الواجهات، في نموذجٍ يعكس خبرةً متراكمة عبر عقود طويلة من العمل المنهجي ضد الكورد، حيث يتحوّل الخطاب من إنكارٍ فَجّ إلى تخريبٍ ناعم، ومن العداء المعلن إلى الطعن من الداخل، بأدواتٍ تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها معادية في جوهرها…

يتبع …

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

14/12/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…