من معارك الحلبة الى معارك الشاشة

عاصم أمين

لا يكاد تاريخ المجتمعات البشرية يُفهم من دون تتبع أشكال الصراع التي وسمته، إذ ظل العنف، بمستوياته المختلفة، جزءاً بنيوياً من آليات الحسم وإعادة ترتيب موازين القوة. في العصور القديمة، كان الصراع يتجلى في صورته الأكثر مباشرة وبدائية، حيث تُختزل الحروب الكبرى أحياناً في مبارزة فردية تمثل مواجهة رمزية بين جماعتين أو كيانين. لم تكن تلك المبارزات مجرد أفعال قتالية، بل كانت محملة بمعانٍ تتجاوز الأفراد، إذ عُدّت تعبيراً عن شرف الجماعة وقوتها، وعن الإيمان بأن مصير الجماعات يمكن أن يُحسم عبر تفوق جسدي وإرادة لا تلين.

ومع تراجع هذا النمط من الحسم، لم يؤدِ ذلك إلى اختفاء العنف من الحياة الاجتماعية، بل إلى إعادة إنتاجه ضمن أطر جديدة. تحولت المبارزة من وسيلة تقرير مصير الحروب إلى طقس منظم يمارس بوصفه شكلاً من أشكال الترفيه الجماعي. في ساحات المصارعين، صار القتال عرضاً عاماً تحيط به الجماهير، وتُنسج حوله طقوس الاحتفال والرهان، وتُستثمر فيه الإثارة والمخاطرة. كان الدم حاضراً، وأحياناً الموت، لكن ضمن سياق مقنن يمنح العنف شرعية اجتماعية، ويجعله مقبولاً بوصفه جزءاً من الفرجة لا من الفوضى.

لاحقاً، ومع تطور المجتمعات وتعقّد بنياتها السياسية والاقتصادية، بدأ العنف يخضع لعملية تهذيب تدريجية. لم يعد مقبولاً بوصفه أداة يومية لتسوية الخلافات، بل جرى تقنينه وحصره داخل قواعد تضبطه وتحد من نتائجه. من هنا نشأت الرياضات الحديثة التي تقوم على التنافس لا الإبادة، وعلى الرمزية لا الإقصاء النهائي. في هذه الرياضات، ما زال الصراع قائماً، لكنه تحول إلى اختبار للمهارة والانضباط والقدرة على الالتزام بالقواعد. الجسد، الذي كان أداة للقتل، صار وسيلة للأداء، والهزيمة لم تعد نهاية وجودية بل لحظة خسارة قابلة للتعويض.

غير أن هذا التحول لم يكن سوى مرحلة ضمن مسار أطول. ففي العصر الراهن، ومع اتساع المجال العام وتنامي دور الإعلام، انتقل الصراع إلى مستوى أكثر تجريداً. لم يعد الجسد هو الساحة الرئيسية للمواجهة، بل الخطاب، والصورة، والرواية. أصبحت البرامج السياسية فضاءات صدام تمثل التناقضات الأيديولوجية وتوازنات القوى داخل المجتمع، وتحولت الشاشات إلى حلبات جديدة تُدار فيها المعارك بأساليب لغوية وإعلامية معقدة. الكلمة هنا تقوم مقام السلاح، والتأثير النفسي يحل محل القوة المادية.

ما نشاهده -عن سورية- اليوم من مناظرات حادة، أو حملات تشويه لقضية المكونات والشعوب السورية، أو الفبركات الإخبارية المتمثلة في اعلام السلطة العربية الطائفية المؤقتة والطارئة، و تسليط منظم للإشاعات على خصومها من الكرد والدروز والعلويين، ليس سوى استمرار لتاريخ قديم ومعاصر من الصراعات الطائفية والعرقية، لكن بأدوات أكثر تطوراً وأقل مباشرة. لم يعد الهدف القضاء على الخصم جسدياً، بل إضعاف صورته، ونزع شرعيته، والتأثير في وعي الجمهور. الرأي العام أصبح ساحة المعركة الأهم، والانتصار فيها قد يحدد مصائر سياسية واجتماعية دون إطلاق رصاصة واحدة.

في هذا السياق، يمكن القول إن الصراع لم يتراجع بقدر ما أعاد تشكيل نفسه ليتلاءم مع تحولات العصر. كل مرحلة تاريخية أعادت تعريف أدوات المواجهة وحدودها، وفق ما تسمح به القيم السائدة والتقنيات المتاحة. من السيف إلى الحلبة، ومن الحلبة إلى الملعب، ومن الملعب إلى الشاشة، تتغير الأشكال وتبقى الجوهرية واحدة: صراع على النفوذ والقدرة على التأثير واحتكار المصير. هكذا يبدو أن الإنسان، مهما بلغ من تطور، لم يتخلَّ عن الصراع، بل تعلم كيف ينقله من العنف الجسدي إلى العنف النفسي، ومن المواجهة المباشرة إلى إدارة الصدام عبر اللغة والصورة والخيال الجمعي.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيض ا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…