الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزيرة – 1/6

د. محمود عباس

كيف صُنِعت كذبة «الكورد المهاجرون»؟ من البعث إلى النسخة المحدّثة

ما يجري اليوم في الجزيرة الكوردستانية ليس نقاشًا تاريخيًا، ولا جدلًا عشائريًا عابرًا، بل عملية منظمة لإعادة تعريف الوجود الكوردي نفسه.

الطعن في العشائر الكوردية العريقة ليس صدفة، ولا زلّة أقلام، ولا «اختلاف روايات»، بل خطوة أولى في مشروع قديم–جديد، نزع كوردستانية الجزيرة، وتحويل الكوردي من صاحب أرض إلى شاهد متَّهم على تاريخه.

الأخطر من ذلك كلّه أنّ هذا المشروع لا يُدار اليوم حصراً من قِبل فلول البعث، بل يُنفَّذ بأدوات كوردية، وبأسماء كوردية، وبألسنة تدّعي الحرص والبراءة، فيما تمارس دورها الحقيقي كسكينٍ بطيء يُغرَس في خاصرة الذاكرة الكوردية، لا ليقتلها دفعةً واحدة، بل ليستنزفها، ويفكّكها، ويُفرغها من معناها أمام أعين أبنائها.

على مدى أكثر من عقدين، خاضت الأنظمة السورية البائدة حربًا منهجية ضد الوجود الكوردي في غربي كوردستان، مستخدمةً طيفًا واسعًا من الأدوات السياسية والثقافية والاجتماعية، كان آخرها وأخطرها ترسيخ مقولة «الكورد المهاجرين» في سوريا.

 لم تكن هذه المقولة زلّة خطاب، بل سياسة دولة مكتملة الأركان، هدفت إلى نزع الشرعية التاريخية عن الوجود الكوردي، وتكريس العرب الوافدين إلى الجزيرة الكوردستانية بوصفهم «أصحاب الأرض» و«حماة الدولة»، مقابل التعامل مع الشعب الكوردي كموالي، أو رعايا من درجة دنيا، يُسمح لهم بالبقاء بوصفهم ضيوفًا، لا أصحاب حق، وكأن وجودهم منّة لا تاريخ.

ومع اندلاع الثورة السورية، وتراجع سلطة البعث وسقوط منظومته القمعية إلى حدّها الأدنى، لم تُحاسَب هذه المنهجية على ماضيها الموبوء، بل جرى توريثها بصيغٍ جديدة، وأُعيد تدويرها عبر المجموعات ذاتها التي كانت مكلفة بتنفيذها، ولكن بواجهات مختلفة، وأدوات أكثر خبثًا واتساعًا. هنا استغلوا خدمات دولة قطر للأمة العربية لتمرير مشاريعهم، لا بوصفه امتدادًا مباشرًا للبعث، بل كحاضنٍ لنسخته المحدّثة، بغطاءٍ إقليمي ودولي أوسع، وذهنية أكثر قدرة على التغلغل.

لقد قام المتربصون بالقضية الكوردية في مشروعٍ متعدد المستويات لمحاربة الوجود الكوردي في غربي كوردستان، متجاوزةً البعد القومي الصرف إلى فضاء المصالح الدولية والتقاطعات الدينية. وفي هذا السياق، أُنشئت مراكز أبحاث مخصّصة لهذه المهمة، وجُنّد بعثيون سابقون، وأُضيف إليهم مثقفون عروبيون ذوو نزعات دينية مذهبية متطرفة، لترويج فكرتين متكاملتين في استهداف الشعب الكوردي وقضيته.

الفكرة الأولى أعادت إنتاج جوهر الخطاب البعثي، الكورد «ضيوف» على أرضهم التاريخية، مهاجرون إلى سوريا، في تجاهلٍ متعمّد لحقيقة أن سوريا ذاتها تشكّلت عبر اقتطاع غربي كوردستان لإكمال جغرافيتها السياسية المصطنعة، بتوافق فرنسي–بريطاني–تركي معروف.

أمّا الفكرة الثانية، فقد ذهبت أبعد من الإنكار، حين لجأت إلى تكفير الشعب الكوردي ذاته، وتصويره بوصفه معتديًا على ما يُسمّى «الجغرافيا العربية الإسلامية»، إلى حدّ أنّ شرائح واسعة من المجتمع العربي باتت تجهل، أو تُجهَّل عمدًا، حقيقة أنّ الغالبية الساحقة من الكورد مسلمون ومن المذهب السني. وهنا يتكشّف عمق الحقد المُمنهج على الشعب الكوردي، حيث تلتقي الأدوات البعثية القديمة مع الخطاب الإسلاموي التكفيري الحديث في مشروعٍ واحد، يبدّل لغته ولا يبدّل جوهره، نفي الكوردي، دينيًا وقوميًا، لتبرير إقصائه وشرعنة استهدافه.

 

يتبع…

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

14/12/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…