سوريا بعد سقوط الطاغية

أحمد حسن- عفرين
بعد 54 عاماً من حكم الأسدين الدكتاتوري ( الأب والابن ) و 61 عاماً من حكم حزب البعث الشوفيني، وأكثر من 14 عاماً على انطلاقة الثورة السورية في وجه نظام الطاغية بشار الأسد التي راح ضحيّتها مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين وملايين المهجرين في الداخل والشتات سقط نظام بشار الأسد في 8/12/2024 واستبشر الشعب السوري بكافة مكوّناته خيراً بيوم النصر على نظام الطغاة والإجرام، لكن المعضلة السورية لن تحل وجرحها المفتوح لم يندمل بعد. بالعكس سقط الديكتاتور، وبدأ العمل الدؤوب والجاد من أجل البناء بناء الشعب والوطن، وهذه المرحلة تتطلّب تكاتُف وتعاضُد كافة مكوّنات الشعب السوري.
صحيح أن الحكومة الجديدة برئاسة السيد أحمد الشرع خطت بعض الخطوات ومنها:
1) إقامة مؤتمر الحوار الوطني السوري في 25 فبراير/شباط 2025 واستمرّت يومين، وقد شارك في المؤتمر أكثر من 600 شخصية.
2) الإعلان الدستوري الذي كتبته لجنة لصياغة الإعلان الدستوري، مكوّنة من 7 قانونيين، وسلمت المسودة في 12 مارس/آذار، ووقع الرئيس السوري على الإعلان الدستوري في 13/3/2025.
3) تشكيل حكومة انتقالية في دمشق 29 مارس 2025 مكونة من 23 وزيراً، واحدة فقط منها امرأة.
4) انتخابات مجلس الشعب التي جرت في 5/10/2025 حيث جرى انتخاب 140 عضواً من أصل 210 والثلث الباقي سيعينه الرئيس.
إلا أن هذه الخطوات المهمة لم تكن شاملة وكاملة ومعبّرة عن نبض الشعب السوري مقارنة مع حجم التضحيات التي قدمها الشعب السوري في ثورة الحرية والكرامة، ولا يوجد فيها تمثيل حقيقي لمكوّنات الشعب السوري (العرقية – الاثنية – المذهبية – ……… ) كانت خطوات في الاتجاه الصحيح، لكنها كانت الأنجع والأفضل لو تعاملت السلطة الجديدة مع ممثلي مكونات الشعب السوري الحقيقيين من أطر سياسية ومنظمات المجتمع المدني، وهيئات دينية وشخصيات أكاديمية وتكنوقراط.
فالانتخابات البرلمانية خطوةً أساسية وحاسمة في مسار الانتقال السياسي في البلاد، لكن هذه الانتخابات لا تزال تفتقر إلى الأسس الديمقراطية، ولا تعكس التنوُّع الحقيقي لمكونات الشعب السوري، حيث هناك شرائح واسعة من السوريين ما زالوا نازحين أو لاجئين خارج البلاد.
في هذه المرحلة الانتقالية المفصلية من تاريخ سوريا، فإنّ ضمان مشاركة طيف واسع من التمثيل والأصوات من خلال عملية انتخابية ديمقراطية يُعدّ أمرًا أساسيًا لترسيخ القيم المدنية، والتعددية، ومبادئ المشاركة الديمقراطية ووضع سوريا على سكتها القانونية والدستورية السليمة والصحيحة.
فبعد تجربة 61 عاماً من حكم حزب البعث الشوفيني أثبتت التجربة العملية أن سوريا بلد التنوع والتعدد لا يمكن أن تحكم بنظرة أحادية أو بإيديولوجية واحدة أو الفكر الواحد بل تحتاج إلى تلاحم كافة المكونات من أجل خلق حالة تشاركية في السلطة والثروة والخلاص من حالة التهميش والغبن بحق أي كان .
وما الأحداث التي وقعت في الساحل والسويداء والتوترات في بعض المناطق الكوردية ومنها (الشيخ مقصود والأشرفية) في حلب إلا ترجمة عملية للخطوات الإقصائية والتهميش الذي حصل سواءً في جلسات الحوار الوطني أو الإعلان الدستوري أو تشكيل الحكومة الانتقالية أو انتخابات مجلس الشعب، فقد أفرزت حالات كانت سوريا الجريحة والمنهكة بغنى عنها حيث نزيف عقود من الزمن لتتعافى من آلامها وجراحاتها المزمنة.
مالمطلوب سورياً؟
سوريا عانت كثيرا في ظل حكم حزب البعث الشوفيني و الأسدين (الأب والابن) ذات الفكر الواحد والديكتاتور الأوحد، وعانت كافة المكونات السورية الظلم والغبن والتهميش، وكان للمكون الكوردي ظلم واضطهاد مضاعف (وطني وقومي) حيث لا اعتراف دستوري بالهوية القومية للشعب الكوردي ولا باللغة والأعياد والعادات والتقاليد الخاصة بهذا المكون الأصيل، ناهيك عن تطبيق المشاريع العنصرية السيئة الصيت (الحزام العربي – الإحصاء الرجعي – فصل الطلبة والعمال – …… ) ونتيجة لهذه العنجهية والظلم والديكتاتورية بحق الشعب السوري، ولعقود من الزمن التي أدت الى احتقانات مزمنة كان من الطبيعي أن ينفجر البركان السوري، فكان قيام الثورة السورية وسقوط الطاغية بشار الأسد.
وهنا بدأت مرحلة جديدة ألا وهي مرحلة الخلاص من الأسدية والبعثية كفكر لبناء سوريا الجديدة المزدهرة الحضارية الشاملة التي تمثل كل أطياف الشعب السوري ومن أجل هذا فالمطلوب :
1) عقد جلسات حوار وطني حقيقي مع ممثلي مكونات الشعب السوري (سياسية – دينية – مذهبية – منظمات المجتمع المدني – شخصيات أكاديمية – تكنوقراط – …… ) وبرعاية هيئات دولية مختصة.
2) سنّ مواد الفوق دستورية توافقية تعني بخصوصية مكونات الشعب السوري للوصول إلى دستور عصري حضاري يرتقي بالدولة السورية الى المواطنة الحقيقية والتحضر والمدنية.
3) تشكيل حكومة توافقية مراعية لكافة مكونات وأطياف الشعب السوري.
4) إجراء انتخابات حرة نزيهة وبرعاية الأمم المتحدة والهيئات الدولية المعنية.
5) بعد عقود من ويلات الحكم الشمولي المركزي وفشله الذريع في إدارة الدولة السورية وحرمان الشعب السوري بكافة مكوناته من الحرية والكرامة والعيش الرغيد، بات من الحتمية التاريخية تطبيق أنظمة الحكم المتطورة والتي أدت إلى رقي وازدهار الدول الأكثر تطوراً في العالم ومنها ( كندا – الامارات العربية المتحدة – سويسرا – أمريكا – ………. ) ألا وهو النظام اللامركزي السياسي أو النظام الاتحادي (الفيدرالي) الذي يمثل كافة مكونات الوطن، ويؤمن الحرية والكرامة والتوزيع العادل للثروة والسلطة لكافة أبناء الشعب ويحمي المواطن والوطن.

30/12/2025

شارك المقال :

4 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…

د. محمود عباس   الأمم الصغيرة ومكانتها في النظام العالمي الجديد.   لم يعد النظام العالمي الجديد حكرًا على الأمم الكبرى وحدها، ولا باتت المكانة الدولية تُمنح فقط لمن يملك المساحة الأوسع أو الجيوش الأضخم. فخلال العقود الأخيرة، أثبتت تجارب متعددة أن أممًا ودولًا صغيرة استطاعت أن تفرض لنفسها وزنًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، لا لأنها…

عاكف حسن في كل مرحلة سياسية معقدة، يظهر مصطلح يلمع أكثر مما يشرح، ويُستخدم أكثر مما يُفهم. في حالتنا، اسم هذا المصطلح هو: “الاندماج الديمقراطي”. هذه ليست نظرية سياسية بقدر ما هي وصفة سحرية جاهزة، خرجت من فضاء أفكار عبد الله أوجلان، لا من رحم التجربة السياسية والاجتماعية لروجافا. ومن هنا يبدأ الالتباس: مشروع لم يُصغَ على قياس طموحات الناس…