حين تُضعِف النِّسب غير الدقيقة القضايا العادلة

ماهين شيخاني

في أخلاقيات الاستشهاد التاريخي وخطورة التوظيف العاطفي

في زمن السرعة الرقمية، لم يعد تداول الأفكار مرهوناً بالتحقق، بل بالانتشار. ومع تضخّم الخطاب الهويّاتي، باتت النِّسب غير الدقيقة للأقوال التاريخية والفكرية ظاهرة شائعة، لا سيما في القضايا القومية العادلة. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الخطأ ذاته، بل في أثره العكسي، حين يتحوّل الدفاع عن قضية عادلة إلى عبء معرفي عليها.

فالنسبة غير الدقيقة لا تُضعف الاقتباس وحده، بل تُضعف الخطاب كله. إذ ما إن يُكشف الخلل، حتى يُختزل النقاش من جوهر الفكرة وعدالتها إلى صحة المصدر المزعوم، وكأن الحقيقة تسقط بسقوط الاسم الذي نُسبت إليه خطأً.

بين حسن النيّة وسوء التوثيق

كثيراً ما تُستعمل النِّسب غير الدقيقة بدافع الحماسة، لا بقصد التزوير. غير أن التاريخ لا يعترف بالنيّات، بل بالأدلة. وأخطر ما في الأمر أن هذه النِّسب تمنح الخصم أداة جاهزة للطعن، لا في الخطاب فقط، بل في أهل الخطاب أنفسهم.

ومن الأمثلة الشائعة، نسبة قول إلى الفيلسوف ابن رشد (ت 1198م) يفيد بأن «فضيلة الشجاعة أقوى بين الأكراد»، ويُقال إن ذلك ورد في كتابه تلخيص السياسة.

غير أن مراجعة النصوص الرشدية المحققة، عربياً وغربياً، لا تقدّم نصاً صريحاً بهذه الصيغة المتداولة. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة:

الفكرة في ذاتها (شجاعة الكورد تاريخياً) مدعومة بعشرات الشواهد، لكن النسبة غير الدقيقة فتحت الباب للطعن والسخرية، بدل النقاش الجاد.

حين يُساء استخدام المصدر الصحيح

لا يقتصر الخلل على الأقوال الملفّقة، بل يشمل أيضاً سوء توظيف المصادر الصحيحة. فمثلًا، يُستشهد كثيراً بالمؤرخ الإغريقي هيرودوت بوصفه «أول من ذكر الكورد»، بينما نصوصه تتحدث عن الميديين، دون استخدام مصطلح «كورد» بصيغته اللاحقة.

الخطأ هنا ليس في الربط التاريخي المحتمل، بل في تقديم الاستنتاج بوصفه نصاً حرفياً.

الأمر ذاته ينطبق على زينفون في كتابه الصعود (Anabasis)، حيث ذكر شعب الكاردوخيين (Carduchoi) في جبال زاغروس. زينفون لم يقل إنهم «الكورد»، بل وصف شعباً جبلياً شرساً. الربط الكوردي–الكاردوخي هو استنتاج أكاديمي مقارن، لا نصاً قاطعاً. تحويله إلى يقين لغوي مطلق يفتح ثغرة معرفية خطيرة.

الشخصيات التاريخية خارج إسقاطات العصر

حتى الشخصيات الكبرى لم تسلم من هذا الخلل. فـ صلاح الدين الأيوبي، الذي أجمعت المصادر الإسلامية الكلاسيكية كابن شداد وابن الأثير على ذكر أصله الكوردي، يُستدعى اليوم في صراعات قومية حديثة تُحمِّله ما لم يكن قائماً في عصره.

الخطأ هنا ليس في الدفاع عن الهوية، بل في إسقاط مفاهيم قومية حديثة على سياق تاريخي مختلف جذرياً.

القضية الكوردية لا تحتاج إلى تزييف

القضية الكوردية ليست قضية ضعيفة تبحث عن اقتباس لتستند إليه. هي قضية ذات:

وجود تاريخي موثّق

امتداد جغرافي واضح

معاناة سياسية وإنسانية لا يمكن إنكارها

إن تحميلها أقوالاً لم تُقل، أو نسباً لم تثبت، لا يضيف لها قوة، بل يعرّضها للتشكيك. فالقوة الحقيقية لأي قضية عادلة تكمن في صدق خطابها، لا في كثرة استشهاداتها.

أخلاقيات الدفاع الواعي

الدفاع الواعي لا يخجل من قول:

«هذا غير موثّق»

أو

«هذا استنتاج، لا نص حرفي»

بل يرى في ذلك مصدر قوته. أما الدفاع العاطفي غير المنضبط، فيُغريه تضخيم الروايات وتزيينها، ولو على حساب الحقيقة.

التاريخ ليس ساحة شعارات، بل مجال معرفة. ولا يُحفظ بالأساطير، بل بالبحث والتدقيق. وحين نحترم عقل القارئ، نكسب احترام التاريخ.

خلاصة

أخطر ما يمكن أن يصيب أي قضية عادلة هو أن يتحوّل خطابها إلى هشٍّ معرفيًا.

فالتاريخ لا يحميه الصوت العالي،

ولا الاقتباس المنسوب خطأً،

بل الدقة.

والحقيقة، مهما كانت بسيطة،

أقوى من أجمل تزييف.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف دار الحرب مصطلح فقهي إسلامي قديم، ارتبط ظهوره تاريخيًا بزمان ومكان محددين، ويقابله مصطلح دار الإسلام. وليس المقصود بالدار هنا المنزل أو دار السكن، بل يراد به : الإقليم أو الدولة والبلدة. تعريف دار الحرب : هي كل بقعة تكون أحكام الشرك فيها ظاهرة. أو كلّ بقعة لا تسود فيها أحكام الإسلام، والسلطة فيها للكفار. وقد وضع…

د. محمود عباس إلى دول الخليج، وإلى العشائر العربية في سوريا والعراق: انتبهوا قبل أن تلتهمكم النار التي يُراد إشعالها باسمكم. من يدفع بعضكم اليوم إلى محاربة الكورد لا يحمي العرب ولا سوريا، بل يستخدم الدم العربي وقودًا لمشروعين إقليميين يتنافسان على إخضاع المنطقة: المشروع التركي والمشروع الإيراني. لا تمنحوا داعش اسم العشيرة، ولا تمنحوا مرتزقة تركيا غطاء العروبة. فالخيام…

د. حمدي سنجاري يتحمّل رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، مسؤوليات تُعدّ من بين الأكثر تعقيداً في المنطقة، فالعراق يقف عند تقاطع تحديات داخلية وإقليمية ودولية تجعل من قيادة الدولة مهمة استثنائية بكل المقاييس. ولعلّ صعوبة هذه المهمة هي ما يجعل تولّيها، بحدّ ذاته، تعبيراً عن الثقة بالقدرة على الإنجاز، إذ إنّ قيادة العراق اليوم لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الأزمات،…

دلدار بدرخان لست هنا بوارد إثارة الفتنة بين مكونات الشعب الواحد ، ولا أبتغي فتح جراحٍ جديدة أو صب الزيت على نار الخلافات الداخلية ، وإنما ما أود التطرق إليه في هذه الجزئية هو أحد أكثر المواضيع إثارةً للجدل في الأوساط الشعبية الكوردية ، ألا وهو موضوع تبرؤ بعض الإيزيديين الكورد من كورديتهم ، والتمسك بمفهوم أن ” الإيزيدية…