العملة السورية الجديدة: نقاش مفتوح حول الرمزية والهوية في مرحلة انتقالية

ولاتـي مه – تقرير خاص

أثار إعلان إطلاق العملة السورية الجديدة نقاشا واسعا في الأوساط السياسية والاقتصادية والثقافية، بعد اعتماد سلسلة نقدية جديدة تتضمن حذف صفرين من العملة السابقة، وتغييرا جذريا في التصاميم البصرية للأوراق النقدية المتداولة.

ورغم تقديم الخطوة رسميا في إطار إجراءات تقنية تهدف إلى تسهيل التعاملات اليومية، إلا أن العملة الجديدة سرعان ما تحولت إلى موضوع جدل عام، تجاوز بعدها المالي ليطرح أسئلة أعمق تتعلق بـ الهوية الوطنية، والرمزية السياسية، وتمثيل الجغرافيا السورية في مرحلة ما بعد النظام السابق.

تميزت العملة الجديدة بتخليها الكامل عن الصور الشخصية والرموز السياسية التي لازمت الإصدارات السابقة لعقود، واعتمادها بدلا من ذلك على عناصر طبيعية وزخارف هندسية موزعة على مختلف الفئات النقدية.

ووفق الجهات المعلنة، فإن هذا التوجه يهدف إلى تقديم عملة تعبر عن سوريا بوصفها كيانا جامعا، وتتفادى الرموز الخلافية التي قد تعمق الانقسامات السياسية أو الأيديولوجية.
غير أن هذا الخيار فتح الباب أمام قراءات متعددة، رأت فيه بعض الأوساط تعبيرا عن حياد بصري مقصود، بينما اعتبره آخرون محملا بدلالات سياسية غير مباشرة.

ضمن الآراء الناقدة التي طرحت في هذا السياق، مقال للكاتب صالح بوزان ـ دادالي بعنوان:
«النجمة السلجوقية على العملة السورية: حين تطبع السيادة بأوامر خارجية».

يرى الكاتب أن العملة الجديدة صدرت في سياق سياسي حساس أعقب سقوط النظام السابق وتسلم ما يعرف بـ«السلطة المؤقتة» إدارة مناطق واسعة من البلاد. ويعبر عن قلقه من غياب الرموز الحضارية والمعالم الأثرية السورية عن التصاميم الجديدة، مقابل بروز النجمة السلجوقية ذات الثمانية أضلاع.

وبحسب رأيه، فإن هذا الرمز المرتبط تاريخيا بالسلاجقة الأتراك، ويستخدم اليوم في السياق القومي التركي، يحمل دلالة سياسية لا يمكن فصلها عن واقع النفوذ التركي في شمال سوريا، محذرا من أن تغييب الرموز الوطنية السورية قد ينعكس سلبا على مسألة الهوية والسيادة.

في المقابل، قدم السيد زكريا الحصري قراءة مختلفة للعملة الجديدة، ركز فيها على بعدها الفني والوطني، معتبرا أن العملة – بغض النظر عن قيمتها المالية – موفقة من حيث الشكل والألوان، وتعكس تنوع الأقاليم الاقتصادية السورية.

ويشير الحصري إلى أن الزخارف الهندسية الإسلامية والعناصر الطبيعية المختارة تحمل مضامين وطنية جامعة، وتجنبت عمدا الرموز الشخصية أو التاريخية أو الدينية التي قد تثير الخلاف، ما يجعلها – برأيه – أقرب إلى تمثيل هوية سورية شاملة بعيدة عن الانقسامات الفئوية والأيديولوجية.

من جانبه، يرى السيد عدنان الرسول أن الرسومات المعتمدة على العملة السورية الجديدة “موفقة وموحية”، لكونها تعكس التنوع الجغرافي والاقتصادي في البلاد.

ويشير إلى أن سنابل القمح والقطن ترمز إلى إنتاج الفلاحين في مناطق الجزيرة وكوباني والفرات وحوران، بينما يرمز الزيتون إلى عفرين، والحمضيات إلى الساحل وريف دمشق. ويعبر الرسول عن أمله في أن تستعيد الليرة السورية قيمتها الشرائية بعد التخلص من رموز “الاستبداد التي طبعت العملة لعقود”، متطلعا في الوقت نفسه إلى مستقبل اقتصادي مختلف لشعوب المنطقة.

على منصات التواصل الاجتماعي، يعكس الجدل حول العملة الجديدة حالة أوسع من إعادة تعريف الرموز والمعاني في سوريا اليوم. فبين من يركز على الدلالات السياسية للتصميم، ومن يقيمه من زاوية جمالية أو اقتصادية، يبرز سؤال أساسي حول قدرة أي تغيير شكلي على ملامسة الواقع المعيشي للسكان.

تظهر ردود الفعل على العملة السورية الجديدة أن القضية لا تتعلق بالنقد وحده، بل تمتد إلى سجال أعمق حول الهوية، والتمثيل، والسيادة في مرحلة انتقالية معقدة.
وبين قراءات متباينة، يبقى المعيار الحاسم لنجاح هذه الخطوة مرتبطا بقدرتها على المساهمة في استقرار اقتصادي فعلي، واحترام تنوع المجتمع السوري وتعدديته، وهو ما لا يمكن أن يتحقق بالرموز وحدها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…