مقاعد فارغة وامتيازات مضمونة

جليل إبراهيم المندلاوي

 

في اليوم الذي كان يفترض أن يفتح فيه مجلس النواب العراقي أبوابه للتاريخ، في دولة تُدار بالتصريحات وتُقاس المسؤولية بعدد الصور وليس بعدد الجلسات، قرر 37 نائبا أن يفتتحوا دورتهم البرلمانية برسالة واضحة للشعب: “لا تنتظروا منا الكثير.. نحن لم نأتِ أصلا”، فحسب الدائرة الإعلامية لمجلس النواب، حضر الجلسة الأولى 292 عضوا، فيما تغيب 37 نائبا دون بيان الأسباب، عبارة قصيرة، لكنها كافية لتلخيص دورة نيابية كاملة، سبعة وثلاثون ممثلا للشعب اختفوا في أول اختبار حقيقي، وفي أول لحظة يُفترض أن يقول فيها النائب: “أنا هنا”، لكنهم لم يكونوا هنا، ولم يقولوا شيئا، غابوا عن الجلسة الأولى تحديدا، تلك التي يفترض أنها يوم العرس الديمقراطي والتعارف الرسمي بين النائب وكرسيه، لكن يبدو أن الوقت لم يسمح للسيد النائب حيث كان مشغولا جدا، ربما بمواعيد أهم من تمثيل الشعب، كازدحام المرور، أو قيلولة وطنية، أو اجتماع طارئ مع المصلحة الشخصية، دون أن يضطر حتى لاختلاق كذبة رسمية تحفظ ماء الوجه، لغياب أنيق وصامت، وكأنه يقول للشعب: “انتخبتمونا؟ ممتاز.. لا تزعجونا الآن”.

الجلسة الأولى ليست تفصيلا هامشيا ولا موعدا ثانويا يمكن تأجيله، إنها امتحان الحضور السياسي الأول ومن يفشل فيه، لا يحتاج إلى فرصة ثانية، فهي الافتتاح الرسمي لعقد سياسي بين النائب والناخب، ومن يتغيب عنها كأنه يوقّع العقد ثم يلقيه في أقرب سلة مهملات. ومع ذلك، لا مساءلة ولا استجواب، ولا حتى سؤال عابر: “أين أنتم؟”.. وكأن الغياب حق دستوري غير منصوص عليه، أو ربما بند سري في العقد يقول بوضوح: الحضور اختياري، والراتب إلزامي.. ويبقى العزاء الوحيد أن هؤلاء الغائبين على الأقل وفروا على الدولة ثمن القهوة والشاي فشكرا لهم على هذا التوفير في زمن الأزمات، ونتمنى أن يواصلوا توفيرهم بشكل دائم من خارج القاعة.

أما السؤال الذي يبدو ساذجا في ظاهره فهو: لماذا يحرص النائب على الحضور أصلا، وهو لم يأتِ أساسا لتشريع القوانين أو لمراقبة أداء الحكومة، ما دام البرلمان يُختزل عنده في كونه منصة للترقية الاجتماعية؟ فالعنوان البرلماني وحده كفيل بفتح أبوابٍ كانت موصدة، وتحسين شروط القروض، وتأمين وظيفة لابن العم الثامن في إحدى الوزارات، وفضلا عن ذلك تبدو الرؤية “الاستراتيجية” لهؤلاء واضحة، إذ أدركوا أن القرارات الحقيقية لا تُتخذ تحت قبة البرلمان، بل في الردهات والمطابخ السياسية، فاختاروا التوجه مباشرة إلى مصدر القوة، وهكذا يغدو المقعد غاية بحد ذاته، لا وسيلة لخدمة الناس ولا أداة لتحمل المسؤولية.

المنطق البسيط يقول إن أول قرار جريء يجب أن يصدر بعد انتخاب رئيس المجلس ونائبيه هو استبدال كل نائب غائب بأول خاسر في دائرته، على الأقل الخاسر حضر المعركة، أما الغائب فقد انسحب قبل صافرة البداية، وبديهيا فإن هذا الاجراء ليس انتقاما، بل محاولة متأخرة لخلق آلية رقابية حقيقية، ورسالة واضحة مفادها إن المقعد النيابي ليس غنيمة، وإن التغيب دون سبب لا ينسجم مع تمثيل الشعب، فالخاسر الذي حضر ربما يكون أصدق تمثيلا من فائز لم يكلف نفسه عناء الحضور.. لكن حتى هذا الحل قد لا يكفي، فاستبدال الغائب بالخاسر قد يُنتج جيلا جديدا من “الحاضرين غيابيا”، لذلك، ربما نحتاج إلى حل أكثر عدلًا وشفافية، كابتداع نظام اليانصيب الوطني للتمثيل النيابي.. كل مقعد شاغر بسبب الغياب يُحوَّل إلى قرعة وطنية، يشارك فيها كل مواطن تجاوز الثلاثين، والفائز ينال المقعد لمدة أسبوع كامل، مع كل الامتيازات.. سيارة مع سائق، حصانة من مخالفات السير، ووجبة غداء رسمية، وإذا تغيب الفائز بالقرعة، يُعاد السحب يوم الاثنين التالي، وهكذا نضمن عدالة توزيع الفرص، ونمنح الشعب تجربة ديمقراطية حقيقية، ونحقق في الوقت نفسه وفرا كبيرا في الرواتب، لأن النائب الأسبوعي سيكون سعيدا بالخدمة المجانية، وربما أكثر التزاما من نائب منتخب اعتاد الغياب باسم التفويض الشعبي.

فأعضاء المجلس لم يُنتخبوا ليختبروا مرونة الكراسي، ولا ليقيسوا سماكة السجاد تحت أقدامهم، بل ليمثلوا شعبا سئم الوعود والحضور الانتقائي. فالمشهد يوحي بأن غاية بعض المتغيبين ليس تشريعا ولا رقابة ولا خدمةً للناس، بل تمثيل ذواتهم فحسب، امتيازات تُجنى، وحصانة تُستثمر، ولقب “سعادة النائب” الذي يُستخدم أكثر مما يُمارس، فالنائب الذي الذي لا يرى ضرورة لحضور الجلسة الأولى، لن يكترث لاحقا بسماع شكوى ناخب، أو مناقشة قانون، أو حتى ضغط زر التصويت إذا كان بعيدا عن مقعده، فيبدو إن المهم لديه هو المنافع الشخصية واللقب والحصانة، وكل ما يسبق كلمة “نائب” وما يتبعها من امتيازات أما الجلسات فهي تفصيل يمكن الاستغناء عنه، أو مناسبة يحضرها فقط حين تقتضي الصورة ذلك.

في النهاية، لا يمكن لوم الكراسي الفارغة، فهي على الأقل حضرت في وقتها أما من غابوا، فقد أثبتوا منذ اليوم الأول أنهم يفهمون التمثيل النيابي بوصفه لقبا اجتماعيا لا مسؤولية وطنية، فالمشكلة ليست في 37 نائبا غابوا عن الجلسة الأولى، بل في ثقافة سياسية ومنظومة كاملة لا ترى في الغياب خيانة للأمانة، بل “مرونة سياسية”، حيث يصبح الصمت فضيلة والمقعد حقا أبديا.. وهكذا يبدأ مجلس النواب العراقي الجديد بمقاعد فارغة، ووعود ممتلئة بالهواء.. فاللهم احفظ برلماننا من الحضور الدائم، وارزقنا نوابا يكون غيابهم كحضورهم، وحضورهم كغيابهم، ووعودهم كرواتبهم: شهرية ومضمونة بغض النظر عن الأداء.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

روني علي وقفة .. مازال لدى الكوردي المنتمي إلى هويته بعض الوقت لأن يتحرر من أوهام كانت من ارهاصات الموت السوري .. فقد تم الدفع به ليكون سياجا لنظام طاغ والآن يتم الدفع به ليكون جسر الترويض لنظام لا ندرك كنهه .. كل ما ندركه أنه مدفوع الثمن من جانب مراكز القرار الدولية منها والإقليمية .. لن يكون للكوردي أية…

عاكف حسن المفارقة الكبرى في الخطاب الأبوجي اليوم أنه لم يعد يهاجم فقط فكرة الدولة الكردية، بل أصبح يهاجم فكرة الدولة القومية من أساسها، وكأن وجود دولة تعبّر عن هوية شعب أو تحمي مصالحه جريمة تاريخية يجب التخلص منها. لكن السؤال الذي لا يجيبون عنه أبداً: إذا كانت الدولة القومية شراً مطلقاً، فلماذا لا يطلبون من الأتراك أو الفرس أو…

أمين كلين   ياسادة الافاضل : سياسة التغير الديموغرافي التي اتبعتها الحكومات السورية المتعاقبة وبدون استثناء بحق الشعب الكردي ، كانت تستهدف نقل عائلات علوية ودرزية الى الجزيرة ونفذها الوزير مصطفى حمدون في الخمسينيات القرن الماضي ( والذي لم يصدق فاليذهب الى ديريك ثم الدجلة … ) ثم تغير اسماء البلدات والقرى الكردية وتعريبها ، مثلا قريتي : كندى شيخ…

د. محمود عباس قضية اللغة الكوردية ليست قضية حروف ولهجات ومناهج فحسب، بل قضية وجود. فهي تقف في رأس هرم القضية القومية الكوردية في مجمل جغرافية كوردستان، لأن الأمة التي تُمنع من لغتها تُمنع من تسمية ذاتها، ومن كتابة تاريخها، ومن توريث ذاكرتها لأجيالها. لذلك فإن يوم اللغة الكوردية ليس مناسبة لغوية عابرة، بل يوم كوردستاني عام، يمسّ جوهر حق…