السياسة بين فنّ الإدارة واختبار الضمير

شادي حاجي
يُقال إن السياسة لعبة ، غير أن هذه العبارة، على بساطتها الظاهرة ، تحمل في طيّاتها معاني عميقة تتجاوز التنافس على السلطة أو المناورة في ميدان المصالح . فالسياسة ، في جوهرها ، ليست مجرد حيلة ذكية أو صراع نفوذ ، بل هي فن إدارة الشأن العام ، ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهارة عملية . وهنيئاً لمن يتقن هذه اللعبة دون أن يبيع ضميره أو يسلّم روحه لشيطان المادة والأمان الزائف .
إن العمل السياسي يضع الإنسان أمام اختبارات قاسية ، حيث تتشابك المصالح ، وتتعاظم الإغراءات ، وتكثر المساومات . وفي خضم هذا الواقع، يصبح الثبات على القيم تحدياً حقيقياً . فليس كل من وصل إلى السلطة جديراً بها ، ولا كل من أتقن أدوات السياسة حافظ على إنسانيته . 
النجاح السياسي الحقيقي لا يُقاس بعدد المناصب أو بحجم النفوذ ، بل بقدرة السياسي على تحقيق الصالح العام دون التفريط بالمبادئ . ولعل أخطر ما يهدد السياسة هو تحوّلها إلى وسيلة للكسب المادي أو لضمان الأمان الشخصي على حساب المجتمع . حينها تفقد السياسة معناها النبيل ، وتتحول من خدمة عامة إلى تجارة ، ومن رسالة إلى صفقة . عند هذا الحد ، يصبح الضمير عبئاً ، وتغدو القيم عائقاً أمام الطموح ، فيسقط العمل السياسي في فخ الفساد والانتهازية .
غير أن التاريخ يثبت أن هناك من مارس السياسة بوعي أخلاقي ، وجعل منها أداة للإصلاح لا للإفساد ، وللبناء لا للهدم . هؤلاء أدركوا أن القوة الحقيقية لا تكمن في السيطرة ، بل في النزاهة ، وأن الشرعية لا تُكتسب بالخوف أو المال ، بل بثقة الناس واحترامهم . فقد فهموا اللعبة ، لكنهم رفضوا أن يخسروا أنفسهم فيها .
في الختام ، يمكن القول إن السياسة قد تكون لعبة ، لكنها لعبة خطرة ، لا ينجو منها إلا من جمع بين الذكاء والضمير ، وبين الواقعية والمبدأ . وهنيئاً فعلاً لمن استطاع أن يخوض غمار العمل السياسي محافظاً على روحه ، وفياً لقيمه ، مؤمناً بأن السياسة بلا أخلاق ليست إلا وجهاً آخر للانهيار .
ونظراً لما سبق ذكره من أفكار وحقائق يدفعني الى أن أطرح السؤال التالي : 
هل نجاح أو فشل الحركة السياسية الكردية في سوريا لن يُقاس فقط بقدرتها على الإدارة، بل بمدى اجتيازها اختبار الضمير السياسي:
ضمير تجاه شعبها وقضيته القومية العادلة ، وتجاه شركائها في غرب كردستان ، وفي الوطن ، وتجاه المستقبل السوري ككل ؟ .
وإلى مستقبل أفضل
ألمانيا في ٢٨/١٢/٢٠٢٥

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…