قسد… طافكم القطار

زاهد العلواني

قراءة في فرصةٍ كُردية أُهدرت، لاشماتةً ولا تجنّياً، بل توصيفٌ دقيق لفرصةٍ تاريخية ضاعت، ولحظةٍ كان يمكن أن تغيّر مسار القضية الكردية في سوريا لو أُحسن التعامل معها منذ البداية.

يا قسد، ماذا كان يضيركم لو أنّ الملف وُضع منذ اليوم الأول أمام إطارٍ كردي سوري جامع، يُبنى على مؤتمر وطني حقيقي، قاعدته الوطنيون المستقلون، وممثلو مختلف فئات الكرد، مع مشاركة الأحزاب السياسية الفاعلة ؟
مؤتمر يُقرّ مشروعاً كردياً واضح المعالم، وينتخب هيئة سياسية شرعية تتولى التفاوض مع الحكومة السورية، بعيدًا عن التدخلات الإقليمية، وبعيداً عن الملفات الشائكة المرتبطة بالخارج، وعلى رأسها ملف الـPKK الإقليمي.
لو سلكتم هذا الطريق، لكان المشهد مختلفًا جذرياً، لكان التوقيع – بما فيه اتفاقية 10 آذار – توقيعاً مشتركًا باسم الكرد وقواهم السياسية، لا باسم قوة عسكرية فقط.
ولما تُرك لتركيا هذا الهامش الواسع من التدخل، ولا فُتح الباب أمام التخويف والضغط والابتزاز السياسي والعسكري.
في تلك اللحظة المفصلية، كانت صياغة الشروط ستختلف تماماً ، لأن نظرة الدولة إلى الأحزاب الكردية هي نظرة إلى قوى وطنية سورية وقادتها سوريون، لا إلى تشكيل عسكري عابر للحدود.
وكان من الممكن أن تكون لغة الاتفاق سياسية–حقوقية، لا أمنية–عسكرية فقط.
والفارق هنا ليس شكلياً أبداً :
1- ملف الكرد يعني اعترافاً سياسياً، وشراكة وطنية، وحقوقاً جماعية لشعبٍ له تاريخ وقضية.
2- ملف قسد، أُختزل في الأمن والسلاح، والحسابات الإقليمية، وصراعات النفوذ، ويجعل من مقاتليها وقادتها – بمن فيهم العرب – أهدافًا سهلة للتصنيف والاستهداف.
وعندما غاب الإجماع الكردي، وهمِّشت الأحزاب الكردية ذات القاعدة الشعبية والقبول الإقليمي، فُتح الفراغ…
والفراغ لا يبقى فارغًا، بل دخلته الحسابات الدولية والتوازنات الإقليمية، وعلى رأسها المخاوف التركية، فتحوّل الملف من قضية حقوق شعب إلى ورقة صراع.
والأخطر من ذلك، أن الدول الإقليمية – وتركيا على وجه الخصوص – تُقدّم للمجتمع الدولي رواية مفادها أن قسد لا تمثّل الكرد، مستندةً إلى حقيقة باتت متداولة بأن نحو 80% من قوام قسد الإداري والعسكري، هم من أبناء العشائر العربية في المنطقة، وإجتماعات ” قسد” مع وجهاء ومشايخ العشائر العربية، وبذلك يُجرَّد هذا التشكيل من أي صفة تمثيلية ” للقومية الكُردية”ويُقدَّم كقوة عسكرية لا تحمل تفويضاً “سياسياً ولاغطاءً شعبياً كردياً” .
ومن هنا يمكن فهم تمسّك “قسد” بالخيار العسكري لابوصفه أداة مرحلية، بل كخيار وجودي، لأنها تدرك أن رصيدها في الشارع الكردي ضعيف، وأنها تفتقر إلى التأييد الشعبي والشرعية السياسية. فالسلاح يصبح بديلاً عن الإجماع، والقوة تعويضاً عن غياب التمثيل.
اليوم، بعد أن تغيّر العنوان وتبدّلت الشروط، بات من الصعب استعادة ما كان ممكنًا بالأمس.
ليس لأن الحق سقط، بل لأن إدارة الحق كانت قاصرة.
ففي السياسة، لا تُحاسَب النوايا، بل النتائج.
الدرس واضح ولا يحتمل التأويل : لا قضية قومية تُدار بالتفرّد، ولا حقوق تُنتزع دون شراكة،
ولامستقبل يُبنى بتجاهل الداخل والارتهان للخارج.

طافكم القطار…
نعم، لكن الاعتراف بالخطأ هو أول محطة للعودة إلى السكة الصحيحة، وهذه ليست من ثقافتكم، فلغتكم ما زالت لغة العسكر لا لغة السياسة.
أمّا العناد والإصرار على المكابرة، فثمنه سيدفعه الجميع…
وأنتم في المقدّمة.
( اللي ياخد حقه بالعقل يضمنه… واللي ياخده بالقوة، يضيّعه)ملا مصطفى رحمه الله تعالى.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…