تغيير العقول أولاً.. رسالة غير مريحة إلى النخب الكردية في سوريا

شادي حاجي

 

إلى السياسيين الكرد،

إلى المثقفين،

إلى النخب في المجتمع المدني،

لنكن واضحين منذ البداية: لا يوجد إنجاز كردي حقيقي في سوريا دون تغيير جذري في طريقة التفكير. وكل حديث عن مكتسبات أو انتصارات، بينما العقل الذي يدير المشهد لم يتغير، ليس سوى محاولة لتجميل الفشل أو تأجيل الاعتراف به.

 

التجارب السابقة لا تحتاج إلى مزيد من التفسير أو التبرير. هي واضحة وصادمة: العقل الذي قاد إلى الإخفاق لا يمكنه أن يقود إلى النجاح. ومن يصرّ على الأدوات ذاتها، والخطاب ذاته، والآليات ذاتها، ثم ينتظر نتائج مختلفة، لا يمارس سياسة، بل يمارس إنكاراً.

 

المشكلة في الداخل… شئنا أم أبينا

صحيح أن الكرد في سوريا تعرضوا تاريخياً للإقصاء والتهميش، لكن تحويل هذا الواقع إلى شماعة دائمة لتعليق كل فشل هو نوع من الهروب من المسؤولية. فجزء أساسي من الأزمة بات كامناً في العقل السياسي والثقافي الكردي نفسه.

 

عقلٌ محافظ أكثر مما يجب،

مغلق أكثر مما يحتمل الواقع،

يقدّس الأشخاص والأحزاب والهياكل،

ويخشى النقد وكأنه تهديد وجودي.

هذا العقل لا ينتج قيادة، بل يعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.

 

وهم القيادة واستدامة الفشل

الخطير ليس الفشل بحد ذاته، بل التكيّف معه، وتحويله إلى حالة طبيعية. أخطر ما يمكن أن تصاب به أي نخبة هو أن تعتاد الفشل، ثم تبدأ في تبريره، ثم الدفاع عنه.

حين تصبح البيروقراطية عائقاً دائماً أمام القرار،

وحين تُقتل المبادرات باسم «الالتزام الحزبي»،

وحين يُهمَّش الكفاءات لأنهم خارج الاصطفاف،

فهنا لا نتحدث عن أزمة ظرفية، بل عن خلل بنيوي في العقل القيادي.

 

تغيير العقول… لا تغيير الوجوه

التغيير المطلوب لا يعني تبديل أسماء بأسماء، ولا إعادة تدوير الوجوه ذاتها في مواقع مختلفة. بل يعني:

كسر قداسة الحزب والشخص

إخضاع التجربة السياسية للنقد العلني

الاعتراف بالأخطاء دون مواربة

التخلي عن عقلية الاحتكار والوصاية

وتبنّي الابتكار، وتشجيع التفكير المختلف، والتعامل مع السياسة كفن إدارة الممكن، لا كمساحة للشعارات الثابتة.

 

مرتكزات عقل جديد

ثقافة التكيّف لا العناد

السياسة ليست نصاً مقدساً. من لا يغيّر استراتيجيته مع تغيّر الواقع، سيخرج من التاريخ لا محالة.

 

اللامركزية لا السيطرة

تركيز القرار في يد قلة بحجة “الوحدة” لم ينتج إلا الشلل. توزيع القرار هو شرط الفاعلية، لا تهديدها.

 

تمكين فرق العمل لا تهميشها

اللجان والفرق المتخصصة ليست ديكوراً تنظيمياً. إما أن تُمنح صلاحيات حقيقية، أو يُعترف بأنها مجرد واجهات.

 

العقل وحده لا يكفي

تجاهل الحدس والذكاء العاطفي والخبرة الإنسانية في العمل السياسي جعل الخطاب الكردي بارداً، معزولاً، ومنفصلاً عن مجتمعه.

 

من عقل الضحية إلى عقل الفاعل

المطلوب اليوم هو الخروج من منطق ردّ الفعل، ومن عقلية انتظار الحل من الخارج، والانتقال إلى عقل المبادرة والفعل.

 

تفكير استراتيجي طويل الأمد،

لا حسابات ضيقة،

لا صراعات شخصية،

لا تضحيات بالمجتمع باسم التنظيم.

القضية الكردية أكبر من أي حزب، وأعمق من أي قيادة، وأبقى من أي مرحلة.

 

الخلاصة: المواجهة مع الذات

لقد آن الأوان لمواجهة الحقيقة دون أقنعة:

المشكلة ليست دائماً في الآخرين، بل كثيراً ما تكون فينا—في إدارتنا، في خلافاتنا، في خوفنا من التغيير.

هذه ليست دعوة للتنازل عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في سوريا، ولا للتشكيك بها، بل دعوة لإخراجها من أسر الشعارات إلى فضاء الفعل العقلاني.

فمن دون تغيير العقول، سيبقى المشروع الكردي يدور في الحلقة ذاتها،

وستستمر الفرص في الضياع،

وسيدفع المجتمع الكردي الثمن…

جيلاً بعد جيل.

وإلى مستقبل أفضل

ألمانيا في ٢٦/١٢/٢٠٢٥

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…