من دون رتوش: دمشق لا تريد الكُورد، وأنقرة تكتب السيناريو

أزاد خليل 

ليس من الحكمة، ولا من الصدق السياسي، الاستمرار في تجميل واقعٍ يعرفه كل من تابع المأساة السورية خلال العقد الماضي. الحقيقة العارية تقول: النظام القائم في دمشق، بصيغته الأمنية والعقائدية الحالية، لا يريد الكُورد ولا يعترف بحقوقهم، ولا يقبل بوجودهم السياسي المستقل، ولا يرى فيهم سوى “مشكلة مؤجلة” يجب احتواؤها أو تصفيتها عند أول فرصة سانحة.

ولولا وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وسلاحها، لما تردّد هذا النظام – أو غضّ الطرف على الأقل – عن تكرار ما جرى في مدينة عفرين الكوردية بحق مناطق الجزيرة وكوباني والقامشلي. ما حدث في عفرين لم يكن “عملية عسكرية محدودة” كما يُروّج، بل كان نموذجًا مكتمل الأركان للتطهير المنهجي: قتل، نهب، اغتصاب، تنكيل، سرقة محاصيل الزيتون، تهجير السكان الأصليين، والاستيلاء على المنازل والممتلكات، في واحدة من أوضح عمليات التغيير الديمغرافي في سوريا الحديثة.

ولولا الدعم التركي المباشر، وسلاح الجو التركي المتطور، والتغطية السياسية الدولية، لما استطاعت تلك الفصائل المسلحة – التي لا تمتلك لا شرعية ولا بنية عسكرية حقيقية – أن تدخل مترًا واحدًا من أراضي عفرين. هذه ليست قراءة عاطفية، بل حقيقة عسكرية موثّقة: تركيا هي من قاتلت، والفصائل كانت مجرد أدوات تنفيذ.

لغة المصطلحات… حين تصبح الجغرافيا سلاحًا

منذ أيام فقط، خرج ما يُسمّى بوزير خارجية سلطة دمشق الجديدة، المكنى بأبو عائشة ، بتصريح أمام وفد تركي، مستخدمًا توصيف “الجزيرة العربية”.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

حين يُستخدم هذا المصطلح، فهو لا يصف جغرافيا، بل يمارس إلغاءً سياسيًا وتاريخيًا. “الجزيرة العربية” تعني نفي الوجود الكُوردي الضارب في عمق التاريخ، ونفي الوجود السرياني والآشوري والأرمني، وتحويل منطقة تعددية عريقة إلى مساحة أحادية الهوية. هذا الخطاب ليس زلّة لسان، بل رسالة موجهة: نحن لا نعترف بكم، ولا بتاريخكم، ولا بحقوقكم.

في العلن، يتحدثون عن “واقعية سياسية” و”حلول مرحلية”، وفي الخفاء يعمل المطبخ السياسي الثلاثي: أنقرة – دمشق – الدوحة ليل نهار، بهدف واحد واضح: القضاء على قسد والإدارة الذاتية، إما عسكريًا، أو عبر التفكيك السياسي، أو من خلال الاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي.

وهم الاندماج… وكذبة الشراكة

كل حديث عن “اندماج” و”دمج” و”حل وطني شامل” لا يتجاوز كونه خطابًا مخادعًا. من يراقب السلوك السياسي، لا التصريحات، يدرك أن التعامل مع الكُورد يتم بمنطق الثعالب: وعود مؤقتة، تفاهمات تكتيكية، ثم طعنة عند أول اختلال في موازين القوى.

لسنا أمام سوء تفاهم، بل أمام تناقض بنيوي. مشروع قسد والإدارة الذاتية يقوم على اللامركزية، التعددية، الشراكة، وحقوق المكونات. في المقابل، تقوم سلطة دمشق – قديمها وجديدها – على مركزية أمنية، وإقصاء سياسي، وإنكار ممنهج للهويات غير المنصهرة في قالب واحد.

نعم، قد تفرض الظروف الدولية والتوازنات الإقليمية تعاملًا مرحليًا مع سلطة الجولاني ومنظومته، لكن هذا التعامل ليس تحالفًا، ولا تشابهًا، ولا خيارًا استراتيجيًا، بل إدارة ضرورة مؤقتة، بعيون مفتوحة وحذر مضاعف.

كيف نُفشل المخطط؟

إذا كان الهدف هو إفشال المشروع التركي – المدعوم بالمال القطري، والمُدار عبر أدوات محلية في دمشق – فإن الطريق واضح، وإن كان شاقًا.

أولًا: بناء تحالفات غربية حقيقية، لا رمزية. فتح أبواب الاستثمار أمام الشركات الكبرى التي تؤثر مباشرة في القرار السياسي الأمريكي والأوروبي، لأن السياسة في الغرب تُدار عبر الاقتصاد بقدر ما تُدار عبر الدبلوماسية.

ثانيًا: امتلاك القدرة الرادعة. لا أحد يحترم كيانًا أعزل. الحديث عن السلاح هنا ليس دعوة للحرب، بل فهم بديهي لمنطق المنطقة: الردع هو ما يمنع الحرب، لا العكس.

ثالثًا: الاستعداد الدائم. التجهيز السياسي والعسكري ليس فعلًا طارئًا، بل حالة مستمرة في بيئة إقليمية عدائية.

تركيا… القوة المبالغ فيها

بعيدًا عن الخطاب الشعبوي، فإن التفوق التركي هو تفوق تقني وجوي بالدرجة الأولى. الجيش التركي لم يخض حروبًا برية تقليدية واسعة منذ عقود، ويعتمد على الطيران، المسيّرات، والتكنولوجيا، وعلى المرتزقة كوكلاء ميدانيين، كما رأينا في قره باغ وفي ليبيا.

هذا لا يعني الاستهانة، بل قراءة واقعية: تركيا تتراجع حين تواجه جبهة سياسية دولية متماسكة، وتندفع حين تشعر بالفراغ.

شبكة علاقات لا بد منها

من هنا، يصبح فتح العلاقات السياسية مع مصر والإمارات ضرورة توازن إقليمي، لا ترفًا دبلوماسيًا. تقوية القنوات مع ألمانيا وفرنسا، ودعم العلاقة مع الحزب الديمقراطي الأمريكي، وتعزيز التنسيق مع بغداد وأربيل، كلها أوراق قوة.

وحتى الشراكة مع الشياطين – مهما كان الجدل – تبقى عامل ردع إقليمي حقيقي. وجود شبكة علاقات واسعة ومعقّدة هو ما يجعل أي طرف يفكر مليون مرة قبل ارتكاب حماقة جديدة بحق شعبنا ومناطقنا.

هذه ليست دعوة للتصعيد، بل دعوة لليقظة. من لا يرى حجم المؤامرة، إما لا يقرأ السياسة، أو يختار تجاهلها. الكُرد لم يطلبوا أكثر من حقهم في الوجود، والكرامة، والشراكة. لكن التاريخ علّمنا درسًا قاسيًا: من لا يحمي نفسه، لا يحميه أحد.

والوضوح، مهما كان مؤلمًا، يبقى أقل كلفة من الوهم والخطاب الوطني ظاهره معسول باطنه مليىء بالمكر والخداع والحيلة والنية في قتل وسحق إرادة الأخر 

 

*كاتب وباحث سياسي 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…