الديمقراطية في قبضة العادات والتقاليد!

كفاح محمود

  ليست العادات والتقاليد في المجتمعات الشرقية عموما والإسلامية والعربية بشكل خاص تفصيلًا فولكلوريًا على هامش الحياة، بل هي “قواعد غير مكتوبة” تراكمت عبر قرون حتى صارت تحدد معايير الصواب والخطأ، وحدود المسموح والممنوع، من البيت إلى المجال العام، ومن هنا يبدأ امتحان الديمقراطية الحقيقي؛ فهي ليست صناديق اقتراع فقط، بل منظومة قيم: مساواة أمام القانون، ومسؤولية فردية، وحق نقد السلطة دون خوف أو وصاية، لذلك تبدو التقاليد سلاحًا ذا حدّين: قد تمنح المجتمع تماسكًا حين تعمل كشبكة تضامن، وقد تتحول إلى قيدٍ ثقيل حين تُقدَّم باعتبارها مصدر شرعية ينافس الدولة، أو حين تُستعمل لتبرير احتكار النفوذ وإدامة الامتيازات.

  في وجهها الإيجابي، حفظت تقاليد كثيرة قيم الكرم والنخوة وصون الجار واحترام الكبير، وقدمت آليات أهلية لاحتواء النزاعات عبر الصلح والوساطة ودفع الضرر قبل اتساعه، هذه القيم، إذا أُعيد توجيهها من “هيبة العصبية” إلى “هيبة القانون”، يمكن أن تصبح رصيدًا للديمقراطية: تُخفّف التوتر بين المختلفين، وتُعزّز التسامح، وتُرسّخ فكرة التعايش بدل منطق الغلبة، بل إن البنى العشائرية نفسها لعبت أحيانًا دور صمام أمان في لحظات هشاشة الدولة، إذ حدّت من الانفلات ووفّرت مرجعيات اجتماعية لوقف الثأر واحتواء الصدام، لكن الوجه الآخر أكثر حساسية لأنه يمس جوهر التمثيل والشرعية، فجزء معتبر من الموروث كرّس هيمنة الذكور، والتراتبية الاجتماعية، وإقصاء النساء والشباب عن مواقع القرار، وأعلى الطاعة على النقد، والقرابة على الكفاءة، وعندما تتغلب الولاءات العشائرية والطائفية على مفهوم المواطنة، تتحول الانتخابات إلى تعداد للعصبيات لا منافسة برامج، ويغدو البرلمان انعكاسًا لخريطة النفوذ لا مؤسسة تشريع ورقابة، لذلك رأينا في العراق وليبيا وسوريا واليمن أن سقوط رأس الاستبداد لا يعني ولادة دولة مدنية؛ إذ تبقى الشبكات التقليدية قادرة على ابتلاع الدولة وإعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة: زعامات مقنّعة، ومحاصصات، وشرعيات تُقايض الحقوق بالخدمات. 

  المخرج ليس في استيراد نموذج جاهز، ولا في الرهان على فكرة “المستبد العادل” التي تعد بإنقاذ سريع ثم تفتح الباب لاحتكار أطول، بل في بناء جسور انتقالية بين المجتمع والدولة: قواعد صارمة للترشح والتمويل والشفافية، واستقلال القضاء، وتحييد السلاح خارج المؤسسات، وتعليم مدني يعيد تعريف الشرف بوصفه احترام القانون لا خرقه، ومع اللامركزية الرشيدة أو الفيدرالية الدستورية، تُخفَّف قبضة العصبيات على القرار الوطني وتُفتح منافذ مشاركة أوسع، ويمكن الاستفادة من مجالس خبرة بصفة استشارية تضبط الإيقاع دون أن تصادر الإرادة الشعبية.

  وخلاصة القول: الموروث ليس خصمًا للديمقراطية ولا حليفًا لها تلقائيًا؛ إنه مادة خام-إما أن تُصاغ لبناء مواطنة حديثة، أو تُترك لتُبقي السياسة أسيرة الماضي.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف دار الحرب مصطلح فقهي إسلامي قديم، ارتبط ظهوره تاريخيًا بزمان ومكان محددين، ويقابله مصطلح دار الإسلام. وليس المقصود بالدار هنا المنزل أو دار السكن، بل يراد به : الإقليم أو الدولة والبلدة. تعريف دار الحرب : هي كل بقعة تكون أحكام الشرك فيها ظاهرة. أو كلّ بقعة لا تسود فيها أحكام الإسلام، والسلطة فيها للكفار. وقد وضع…

د. محمود عباس إلى دول الخليج، وإلى العشائر العربية في سوريا والعراق: انتبهوا قبل أن تلتهمكم النار التي يُراد إشعالها باسمكم. من يدفع بعضكم اليوم إلى محاربة الكورد لا يحمي العرب ولا سوريا، بل يستخدم الدم العربي وقودًا لمشروعين إقليميين يتنافسان على إخضاع المنطقة: المشروع التركي والمشروع الإيراني. لا تمنحوا داعش اسم العشيرة، ولا تمنحوا مرتزقة تركيا غطاء العروبة. فالخيام…

د. حمدي سنجاري يتحمّل رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، مسؤوليات تُعدّ من بين الأكثر تعقيداً في المنطقة، فالعراق يقف عند تقاطع تحديات داخلية وإقليمية ودولية تجعل من قيادة الدولة مهمة استثنائية بكل المقاييس. ولعلّ صعوبة هذه المهمة هي ما يجعل تولّيها، بحدّ ذاته، تعبيراً عن الثقة بالقدرة على الإنجاز، إذ إنّ قيادة العراق اليوم لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الأزمات،…

دلدار بدرخان لست هنا بوارد إثارة الفتنة بين مكونات الشعب الواحد ، ولا أبتغي فتح جراحٍ جديدة أو صب الزيت على نار الخلافات الداخلية ، وإنما ما أود التطرق إليه في هذه الجزئية هو أحد أكثر المواضيع إثارةً للجدل في الأوساط الشعبية الكوردية ، ألا وهو موضوع تبرؤ بعض الإيزيديين الكورد من كورديتهم ، والتمسك بمفهوم أن ” الإيزيدية…