قهرمان مرعان آغا
التحول من الخطاب الديني إلى القومي لا يحتاج إلى لغة أخرى عند الأعراب وكذلك العكس ، حيث كانت ظاهرة في عراق صدام و سوريا الأسد في ظل فكر وسياسات حزب البعث العربي الاشتراكي الشوفيني الإجرامي و على هدي النظامين الساقطَين، وقف رئيس السلطة المؤقتة السيد أحمد الشرع مخاطباً الأمة العربية، دمشق هي قلب العروبة ( النابض ) واغفل عن ذكر ما بين قوسين ويأتي وزير خارجيته السيد اسعد الشيباني في مؤتمره الصحفي مع ( نظيره ) التركي في ٢٢ ديسمبر ٢٠٢٥ حول وضعية دمج قوات سوريا الديمقراطية ، بأن (.. الجزيرة العربية ..) في إشارة إلى إقليم الجزيرة التي تقع شرق الفرات ، سبقه القول متصدري المشهد الدعائي في أعلام السلطة من أشباه محليين وحاملي درجات علمية محل شبهة ، حتى وصل الأمر بأحد المذيعين في تلفزيون ( الإخبارية …السورية ) أن يؤكد كذب أحدهم حول لقاء الشرع مع الرئيس الأمريكي ترامب ، فيما يخص باتفاق آذار /٢٠٢٥ مع الجنرال مظلوم عبدي ، الزعيم الكوردي و قائد قوات سوريا الديمقراطية ، بأن هذا الكلام على مسؤوليتك (ها…) . ؟ يحدث كل هذا الضخ الاعلامي لتكريس خطاب عروبي / شعبوي تحريضي في مواجهة الإستحقاقات الوطنية القائمة على العدل والإنصاف وفاءاً للشهداء والتي كانت كلفتها خلال الثورة ثقيلاً جداً لا تحمله الجبال ، من أجل حرية الإنسان التي هي وعي الضرورة و من أجل كرامته وعزته التي هي لذة الحياة .
كما هو معلوم في الجغرافيا الطبيعية و السياسية، الجزيرة العربية ، تقع بين الخليج وبحر عُمان والبحر الأحمر ، تضم إقليم نجد و الحجاز و اليمن وعمان وتهامة … تتوزع عليها ممالك وإمارات ، المملكة العربية السعودية و الإمارات المتحدة واليمن و سلطنة عمان وقطر والبحرين والكويت .
إقليم الجزيرة في سوريا الحالية ، هي جزء من بلاد ميزو بوتاميا ( Mezir û Botaniya ) و كذلك من بلاد ما بين النهرين( دجلة و فرات) و تشمل القسم الأكبر من كوردستان في جهتها الغربية التي ألحقت بالدولة السورية منذ نشؤها في القرن الماضي ، لا أعلم إن كان من المفيد ذكر الجاهلين ، الحاقدين من هؤلاء ، بأن امتداد الجزيرة تصل إلى كوردستان في جهتها الشمالية ضمن الحدود السياسية لتركيا الحالية .
كما أنّ كوردستان في هذه الجهة من الجزيرة هي حقيقة طبيعية /جغرافية و بشرية /سياسية ، من خلال حواضرها ، لهذا نرى سلسة المدن تبدأ من (عين ديور إلى كوباني ) إضافة مدينة (حسكة على نهر خابور ) وتل كوجر / محطة في طريق خط ترين نصيبين- موسل ، و كذلك التلال التي تحمل أسماء و تاريخ شعب كوردستان ، دليل لا يقبل الشك على حضارة هذا الشعب الأصيل الذي يعيش على أرضه التاريخية منذ طوفان نوح وفقاً لمبدأ( الحضارة السائدة والبائدة ) بإستمرار دون انقطاع و أنَّ التواجد العربي جاء في فترات لاحقة من قِبَل السلطنة العثمانية من خلال توطين القبائل العربية البدوية في حوض الفرات ، لكف شر الغزوات وكذلك من قِبَل فرنسا المنتدبة ، بعد إنشاء ( إدارة البدو) في دير الزور بدءاً من عام ١٩٣٣ في الجزيرة العليا وهذا مثبّت حسب الوثائق الفرنسية( المترجمة من قبل د. خالد عيسى) .
لو كانت للعشائر العربية الرُّحل وجود تاريخي حضري في الجزيرة (شرق الفرات) لكانت هناك مدينة واحدة تعود إنشائها إلى جهودهم و هذا يقودنا إلى الاعتراف بالوعي المديني المبِّكِر لشعب كوردستان، إضافة إلى خلق بيئة آمنة مسالمة كانت مقصداً للشعوب المجاورة ومنهم القبائل العربية التي تعتمد الترحال و كانت إلى وقت قريب تسكن الخيام و استقرت على الأرض متأخراً و أن معظم القرى العربية التي تقع في الجنوب من الجزيرة العليا قد تم بنائها من قبل معماريين كورد ، حيث سهول الجزيرة التي كانت مرعى للقبائل الكوردية في مواسم الربيع و الخريف وحتى بالنسبة للعقيدة والدين الإسلامي ، فإن معظم رجال الدين المتعلمين والمتنورين كانوا من الكورد ، يؤمون الصلاة ويعلمون أصول الدين ، لأن ظروف البداوة كانت قد فرضت جهلاً مطبقاً لأكثر من جيل و حرماناً من تعلم القراءة والكتابة .
كما هو معروف ومُثبَت تاريخياً ، هناك شعوب تَقُر بالإختلاف وتُحبِّذ السلم الأهلي في ظل العيش المشترك و تساهم في بناء الحضارة الإنسانية القائمة على التلاقح الثقافي و بالمقابل هناك قبائل لم ترتقي إلى مصافي الشعوب ، تمارس العنف في ظل العصبية ، تعمل على هدم الحضارة ( ظاهرة داعش وفرقها الشبيهة و تمددها ….) وما حصل لسوريا والعراق من دمار عام بعد استيلاء حزب البعث العربي و نشوء الدكتاتورية وتشوهاتها من حكم العائلة ، يأتي في هذا السياق التاريخي والذي اصبح يأخذ أبعاد أخرى من التناحر والصراع القومي و الديني و الطائفي الآن ، بعد سقوط دمشق وبغداد ، في حين أن القوى الكبرى الأمريكان و الروس و الأوربيين موجودين بقواعدهم العسكرية على الأرض و في الأجواء في ظل الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة منذ ٧ اكتوبر ٢٠٢٣ ، لترتيب التطبيع ولفرض اتفاقات إبراهام للسلام بالقوة .
فالمطلوب من السلطة المؤقتة في دمشق بعد عام على سقوط النظام الاسدي الاجرامي وبشكل عاجل مراجعة كل ما صدر عنها وإعادة إقراره من جديد ، بعد إشراك كافة المكونات السورية وخاصة الشعب الكوردي، كونه يمثل المختلف قومياً ومن حقه تقرير مصيره بنفسه ، سواء في ما يتعلق بشكل الدولة و نظام الحكم و جميع السلطات والهيئات التي تنظم المصالح العامة و كذلك كل ما يتعلق بالوثائق التي تنظم العقد الاجتماعي / الدستور وكذلك القوانين واللوائح التنفيذية و كذلك العلاقة اللامركزية بين العاصمة والاقاليم والكف عن التهديد عن كيفية دمج قوات سوريا الديمقراطية ، على اعتبارها قوة وطنية تمثل كل السوريين في إقليم كوردستان/ الغربية و شرق الفرات ، وعليها الكف عن الاستقواء بالخارج على حساب الداخل و أن تضع في حساباتها المستقبلية بخصوص وحدة سوريا بأن الشعب العربي في هذه البلاد تجاور شعب كوردستان جغرافياَ وفي بعده البشري/ السكاني وأن الذي يجري الآن من سياسات دولية واقليمية تخضع لمبدأ المصالح والمتغيرات و أن يدركوا جيداً بأن الشرق الأوسط هو في طور التحولات الصغرى والكبرى التي تعيها أذُنٌ واعية وليست قلوبٌ لاهية .
في 23 / ك١ ديسمبر / 2025