سوريا بعد السقوط، التحديات والاستراتيجيات المستقبلية

عزالدين ملا

مرّت سنة كاملة على لحظة سقوط نظام الطاغية بشار الأسد، وهي لحظة مفصلية في تاريخ سوريا تعكس بداية مرحلة انتقالية عميقة تتطلب تعاملاً استراتيجياً وحكيماً من جميع الأطراف المعنية، فالسقوط وإن كان يمثل نهاية لعهد الاستبداد، إلا أنه في ذات الوقت يفتح أبواب التحديّات الكبرى، ويضع أمام الشعب السوري مسؤولية تاريخية في إعادة صياغة مستقبل وطنه بشكل يعكس تنوعه، ويؤسس لدولة حديثة ديمقراطية تقوم على قواعد العدالة وحقوق الإنسان، وتراعي التعددية السياسية والثقافية والاجتماعية.  

اعتقد لتحليل المشهد السوري بعد سنة من سقوط النظام يتطلب النظر في عدة مستويات، بداية من السياق السياسي الداخلي، مروراً بالمحددات الإقليمية والدولية، وانتهاءً بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه إعادة الإعمار والبناء الوطني.

  إنّ طبيعة التحديات التي تواجه سوريا اليوم تتداخل فيها أبعاد كثيرة، حيث أن كل خطوة تتخذها القوى الفاعلة، سواء كانت داخلية أم خارجية، تؤثر بشكل مباشر على مسار انتقال البلاد نحو الاستقرار والتنمية.

من الناحية السياسية، فإن اللحظة الراهنة تفرض أولوية العمل على إرساء دعائم نظام سياسي جديد، يقوم على مبادئ الديمقراطية والتعددية والشفافية، ويضمن مشاركة جميع المكوّنات السورية بما في ذلك الأقليات، ويؤسس لعملية حوار وطني شامل يهدف إلى بناء توافق وطني حقيقي.

إنّ غياب رؤية واضحة ومتماسكة لإدارة المرحلة الانتقالية قد يعمّق من حالة الفوضى ويقود إلى مزيد من الانقسامات، خاصة مع تداخُل مصالح القوى الإقليمية والدولية التي تسعى لتعزيز نفوذها في سوريا، سواءً عبر الدعم المباشر أو غير المباشر وهو ما يعقد المسألة ويهدد استقرار البلاد. 

وفي ظل هذا السياق، فإنّ أحد التحديات الأساسية هو كيفية بناء مؤسسات دولة قوية ومستقلة، قادرة على إدارة التنوع السوري، وتحقيق العدالة، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، بعيداً عن النزعة الفئوية أو الطائفية.

 إن بناء المؤسسات يتطلب إعادة هيكلة المؤسسات الأساسية وتفعيل القوانين وتطوير منظومة العدالة وتعزيز دور الرقابة والمساءلة، مع ضمان استقلالية القضاء وتطوير المؤسسات التشريعية والتنفيذية بحيث تكون أكثر مرونة وشفافية، وقادرة على استيعاب التحديات الجديدة. 

أما على المستوى الأمني، فإن إرساء الاستقرار يتطلب إصلاح منظومة الأمن الوطني، وتحويلها إلى أدوات لحماية السيادة، وتوفير الأمن للمواطنين، وليس أدوات لقمع الحريات أو فرض السيطرة. إن الأمن الحقيقي هو الذي يُبنى على احترام حقوق الإنسان وعلى التوافق الوطني وعلى سيادة القانون، وليس على الهيمنة العسكرية أو القمع الأمني غير المنضبط. يتطلب ذلك إعادة النظر في انتشار القوى العسكرية، وإخراج المليشيات، وتوجيه القوات الأمنية إلى مهامها الأساسية في حماية المجتمع، مع ضرورة اعتماد سياسات واضحة للمساءلة وتحقيق الشفافية في عمل الأجهزة الأمنية.

 

وفي الجانب الاقتصادي، فإن إعادة الإعمار والتنمية يشكلان أحد أكبر التحديات التي تواجه سوريا، والتي تتطلب خطة استراتيجية طويلة الأمد، تعتمد على تنمية متوازنة ومستدامة وتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل الفوارق بين المناطق وتعزيز قدرات القطاع الخاص وتسهيل الاستثمارات خاصة في المناطق التي تضررت بشكل كبير. إن إعادة الإعمار يجب أن تكون عملية شاملة، تتعاون فيها الحكومة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص والمنظمات الدولية لضمان توزيع الفوائد على جميع المناطق وتقليل الاعتمادية على المساعدات الخارجية، وتعزيز الاعتماد على الموارد الوطنية وتنفيذ سياسات تضمن استدامة النمو وخلق فرص عمل خاصة للشباب من أجل الحد من البطالة والفقر، وتحقيق نوع من التوازن الاقتصادي والاجتماعي. 

وفي هذا السياق، فإن تحدّي تنمية الموارد البشرية يبقى أساسياً، إذ أن التعليم والتدريب المهني وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة هو ما يحدد قدرة سوريا على بناء اقتصاد قوي قادر على المنافسة على المستوى الإقليمي والدولي. كما أن تنمية القطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة وخدمات، يتطلب توفير البيئة الملائمة للاستثمار وتسهيل إجراءات العمل وتقديم حوافز للمبادرات المحلية والدولية، بالإضافة إلى ضرورة التركيز على تحديث البنى التحتية وتحسين شبكات النقل والكهرباء والمياه والاتصالات لضمان استدامة التنمية وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار. 

أما على الصعيد السياسي، فإنّ تعزيزَ مسار الانتقال الديمقراطي يمثل أحد المرتكزات الأساسية لإعادة بناء سوريا، إذ أن الديمقراطية ليست فقط نظام حكم وإنما أسلوب حياة وممارسة سياسية، تتطلب بناء ثقافة التعددية واحترام الرأي الآخر وتوفير فضاءات حرة للتعبير وتفعيل الحوار الوطني المستمر.

إنّ إلغاء السياسات القمعية، وتوفير بيئة آمنة للتنظيم والعمل السياسي يمثلان حجر الزاوية لضمان استدامة عملية البناء الوطني. إنّ التمسك بمبدأ التوافق، والعمل على إلغاء السياسات التي تتسبب في استبعاد المكونات، سيؤدي حتما إلى تعزيز الوحدة الوطنية وخلق مناخ سياسي مستقر، يساهم في استدامة التنمية ويقود إلى استقرار طويل الأمد. 

وفيما يخص المؤسسات الوطنية، فإن إعادة بناء الثقة تتطلب إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية، بحيث تتحول من أدوات قمع إلى قوات وطنية موحدة تحمي السيادة، وتعمل على تحقيق الاستقرار، مع الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان وتوفير الشفافية والمساءلة. إنّ إصلاح هذه المؤسسات وتطوير مناهج عملها، يتطلب بناء ثقافة وطنية تتجاوز الانقسامات وتؤسس لمفهوم الأمن الجماعي، بحيث يكون المواطن هو الهدف الأول وليس أدوات لتحقيق مصالح فئوية. 

وفي الجانب الاجتماعي، فإن بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات التاريخية، وتعكس تنوع المجتمع السوري كقوة موحّدة، هو من أهم أهداف المرحلة. هذا يتطلب إعادة الاعتبار للقيم الوطنية وتعزيز ثقافة التعايُش واحترام الآخر وتطوير مناهج التعليم التي تعكس التاريخ السوري العريق، وترسيخ مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات، بحيث يشعر الجميع أن لهم حقوقًا وواجبات وأن التنوّع هو مصدر غنى وليس نقطة ضعف. 

وفي سياق العلاقات مع المجتمع الدولي والإقليمي، فإن دعم المجتمع الدولي خاصة عبر المؤسسات والمنظمات الدولية، يتطلب التزاماً واضحاً بالمبادئ الأساسية، وهي دعم الانتقال السلمي وتقديم المساعدات الإنسانية وتشجيع المشاريع التنموية، والابتعاد عن السياسات التي تعزّز التوترات أو تكرّس النفوذ الأجنبي. إنّ تحقيق الاستقرار والتنمية يتطلب أن تكون السياسات الخارجية داعمة لمبدأ السيادة الوطنية، وأن تتبنى نهجا يركز على التعاون والشراكة والاستثمار في قدرات سوريا.

وعليه، فإنّ نجاح سوريا في استعادة استقرارها ووحدتها وإعادة بناء مؤسساتها وتحقيق تنمية مستدامة، يعتمد بشكل كبير على مشاركة فاعلة وشفافة من جميع شرائح المجتمع، بما في ذلك المجتمع المدني والنخب الفكرية والنقابات والفعاليات الشعبية، التي يجب أن تكون حاضرة في صياغة السياسات وتقديم المبادرات ومراقبة الأداء، لضمان أن تكون عملية البناء شامله وتراعي حقوق الجميع وتستند إلى مبادئ العدالة والمساءلة والتعددية.

إنّ بناء سوريا الجديدة يتطلب إرادة وطنية موحدة ووعياً جماعياً بحيث تتوحد الجهود لانتشال البلاد من حالة الانقسام والدمار، وتحويل التحديات إلى فرص وإرساء دعائم دولة حديثة، تتسع للجميع وتحفظ كرامة مواطنيها وتؤمن بمستقبل ينتمي لكل أبنائها ويستند إلى قيم السلام والتنمية والعدالة الاجتماعية والتعايش السلمي.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زار وفد من المنظمة الآثورية الديمقراطية ضم السيد كبرئيل موشي مسؤول المنظمة والسيد بشير سعدي نائب المسؤول، والسيد ريمون يوخنا عضو الأمانة العامة، مكتب المجلس الوطني الكردي في دمشق، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك. وكان في استقبال الوفد الأستاذ نعمت داوود، عضو هيئة رئاسة المجلس، والأستاذ لقمان أوسو، رئيس محلية دمشق، حيث بحث الجانبان لقاء رئاسة المجلس مع…

شارك وفدٌ من ممثلية أوروباللمجلس الوطني الكردي في سوريا في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد المناضل نصرالدين برهك عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وضمّ الوفد كلاً من السيد عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا، إلى جانب وفدٍ من مكتب العلاقات شمل كلاً من كاميران خلف برو مسؤول مكتب العلاقات، وجنكيدار محمد، وباران درباس….

عبدو خليل Abdo Khalil أواخر صيف عام 2012 كنت قد لجأت للقرية هربا من مخاطر الاعتقال.. كانت المنطقة سلمت بالكامل من قبل النظام السوري للعمال الكردستاني ولم يتبقى سوى بعض عناصر الأمن المكلفين بالمراقبة عن بعد.. جاء يوم َرفع فيه فتية وفتيات قريتنا نازواوشاغي علم الثورة فوق مسجد القرية.. سرعان ما أصاب الذعر زعران قنديل.. نزلوا العلم وتوعدوا أهل القرية…..

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…