دمشق ليست المشكلة… إنكار الكورد هو الأزمة

 بنكين محمد
في خضمّ التحولات العميقة التي تعصف بسوريا منذ أكثر من عقد، يبرز الموقف الكوردي بوصفه واحداً من أكثر المواقف السياسية وضوحاً واتزاناً وعقلانية في مقاربة مستقبل الدولة السورية. فالقضية الكوردية، خلافاً لما يحاول البعض تصويره أو تشويه جوهره، لم تكن يوماً رهينة هوية من يحكم دمشق، ولا مرتبطة بطائفته أو خلفيته الأيديولوجية، بل هي قضية حقوق وطنية واضحة المعالم، مؤجلة منذ عقود، ولم تجد طريقها بعد إلى الاعتراف الدستوري والسياسي الحقيقي.
لا يرى الكورد في سوريا مشكلة في تداول السلطة أو في تغيّر الحكومات، بقدر ما يرون أزمة مزمنة في تغييبهم المتعمد عن مفهوم “الدولة” نفسها. فالمعضلة ليست في اسم الحاكم ولا في لونه السياسي، بل في استمرار عقلية الإنكار التي تتعامل مع الشعب الكوردي كحالة طارئة أو ملف أمني، لا كمكوّن أصيل من مكونات البلاد، له أرضه التاريخية، وثقافته، ولغته، وخصوصيته الوطنية.
لقد أثبتت التجربة السورية، قبل عام 2011 وبعده، أن تغيّر الوجوه لا يعني بالضرورة تغيّر السياسات. فكم من سلطة رفعت شعارات الوحدة والمواطنة، لكنها في الواقع واصلت إقصاء الكورد من الدستور، ومنعت لغتهم، وجرّدت مئات الآلاف منهم من أبسط حقوقهم المدنية، وحرمت مناطقهم من التنمية المتوازنة، ثم طالبتهم لاحقاً بالصمت باسم “المصلحة الوطنية”.
الموقف الكوردي، اليوم، لا ينطلق من منطق الغلبة ولا من نزعة الانفصال كما يُروَّج، بل من رؤية سياسية واضحة: سوريا لا يمكن أن تكون دولة مستقرة وعادلة ما لم تعترف بتعدديتها القومية والدينية اعترافاً صريحاً، وما لم تُقرّ شراكة حقيقية بين مكوناتها، وفي مقدمتها الشعب الكوردي. إن أي مشروع سياسي يتجاوز هذه الحقيقة، مهما كانت نواياه، محكوم عليه بإعادة إنتاج الأزمة بصيغ جديدة.
ليس مطلب الكورد امتيازات فوق الدولة، بل حقوق داخلها: اعتراف دستوري، إدارة ذاتية ديمقراطية ضمن إطار سوريا موحدة، ضمان استخدام اللغة الكوردية في التعليم والثقافة، وتمثيل عادل في مؤسسات الحكم. وهي مطالب تتقاطع مع مبادئ الديمقراطية الحديثة، ولا تتعارض مع سيادة الدولة، بل تعزّزها.
إن الإصرار على تجاهل القضية الكوردية، أو ترحيلها إلى “ما بعد الاستقرار”، هو في ذاته وصفة لعدم الاستقرار. فالدولة التي تُبنى على إنكار جزء من شعبها، لا تبني وطناً، بل تؤجل انفجاره. أما الدولة التي تعترف بكل مكوناتها، وتؤسس عقداً اجتماعياً جديداً قائماً على الشراكة والعدالة، فهي وحدها القادرة على الخروج من نفق الصراع.
باختصار، لا مشكلة للكورد مع من يحكم دمشق، أياً كان، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يُطلب منهم مرة أخرى أن يكونوا مواطنين بلا حقوق، وشركاء بلا اعتراف. هنا فقط، تتحول دمشق من عاصمة دولة إلى رمز لأزمة لم تُحل بعد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…