سوريا بين استحقاقات الانتقال السياسي المؤجَّلة والتحديات الراهنة.

ميداس آزيزي

 

تدخل الدول، عقب انهيار الأنظمة الاستبدادية، مرحلة مفصلية يفترض أن تؤسّس لقطيعة حقيقية مع الماضي، لا تقتصر على تغيير الأشخاص، بل تطال البُنى السياسية والمؤسساتية والعقلية التي حكمت المجتمع لعقود من الزمن. غير أن المسار السوري، بدل أن يتجه نحو هذا التحول الجذري، يجد نفسه اليوم مثقلًا باستحقاقات انتقالية مؤجلة، ومواجهًا لتحديات معقدة تهدد بإعادة إنتاج أنماط الحكم القديمة بأدوات جديدة.

أولى هذه التحديات تتمثل في مسألة إعادة بناء الشرعية السياسية على أسس المشاركة الشعبية، والمساءلة، وسيادة القانون، بدلًا من منطق الهيمنة والإقصاء. ويتطلّب ذلك توافقًا وطنيًا شاملًا حول شكل الدولة ونظام الحكم، وضمان حقوق جميع المكوّنات السورية دون استثناء، وفي مقدمتها حقوق الشعب الكردي والاعتراف الدستوري بها، وتأمين مشاركته الفاعلة في العملية السياسية، وهو استحقاق طال تأجيله بفعل الحرب والانقسامات الداخلية والتدخلات الإقليمية والدولية.

وقد خلّفت سنوات الصراع جروحًا عميقة في النسيج الاجتماعي السوري، ما يجعل المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية شرطين أساسيين لأي استقرار مستدام. فلا يمكن بناء مستقبل مشترك من دون كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها، بعيدًا عن منطق الإفلات من العقاب أو طمس الذاكرة الجماعية.

تواجه سوريا تحدي إعادة الإعمار في ظل اقتصاد منهك، وانتشار واسع للفقر، وتآكل الثقة بالمؤسسات العامة. ولا يقتصر هذا التحدّي على إعادة بناء ما دُمّر ماديًا، بل يستدعي صياغة نموذج اقتصادي جديد أكثر عدالة وكفاءة، يعالج جذور التهميش الاجتماعي والاقتصادي الذي شكّل أحد الأسباب البنيوية لانفجار الأزمة السورية.

غير أنّ السلطة المؤقتة، وبدل الانكباب على هذه الاستحقاقات الداخلية، اختارت توجيه بوصلتها نحو الخارج، ساعية إلى تثبيت شرعيتها عبر التحالفات الإقليمية والدولية، على حساب الحوار الوطني والاستجابة لمطالب السوريين. ويعيد هذا النهج إنتاج منطق النظام السابق، القائم على استمداد الشرعية من الخارج بدل الشعب، وهو رهان لم يجلب يومًا الاستقرار، بل فاقم الانقسامات وأعاد تدوير الأزمات.

وبعد سقوط نظام الأسد وتسلّم هيئة تحرير الشام السلطة، برز مسار قائم على التفرد والإقصاء، تجلّى في ما سُمّي بـ«مؤتمر الحوار الوطني»، الذي لم يتجاوز كونه لقاءً شكليًا استمر لساعات، وضمّ لونًا سياسيًا واحدًا، ليكرّس سلطة الرجل الواحد ويُقصي سائر القوى والمكوّنات السورية. كما جاء الإعلان الدستوري ليعكس الذهنية نفسها، متجاهلًا حقوق المكوّنات القومية والسياسية، في امتداد واضح لشعار «من يحرّر يقرّر».

ويزداد هذا النهج خطورة إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن الإعلان الدستوري صدر بعد أيام قليلة من الاتفاقية الموقّعة في 10 آذار بين السيد أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي، والتي نصت صراحة على تضمين حقوق الشعب الكردي دستوريًا. غير أن تجاهل هذا الالتزام يعكس تهرّبًا سياسيًا واضحًا من استحقاقات الانتقال الحقيقي، ويؤشّر إلى نزعة سلطوية تتعزّز أكثر مع توسيع صلاحيات الرئيس المؤقت، ولا سيما من خلال تعيين أعضاء مجلس الشعب، بما يقوّض مبدأ الفصل بين السلطات.

إن الاستمرار في تأجيل هذه الاستحقاقات سيضع السلطة المؤقتة، عاجلًا أم آجلًا، في مواجهة مباشرة مع السوريين. فالمراهنة على إرضاء قوى إقليمية متناقضة المصالح لن تنتج استقرارًا، بل ستقود إلى مزيد من التشرذم والانقسامات. وستجد السلطة نفسها أمام اختبار حاسم: إمّا الانحياز إلى مشروع وطني جامع، أو الاستمرار في سياسة التحالفات الضيّقة، ولكل خيار أثمانه السياسية والوطنية.

إنّ الأولوية اليوم يجب أن تكون لعقد مؤتمر وطني شامل، يضمّ جميع القوى والمكوّنات القومية والسياسية والاجتماعية، والانطلاق بعملية انتقال سياسي ديمقراطي حقيقي، وفق روحية القرار الأممي 2254. كما لا يمكن تجاوز استحقاقات السلم الأهلي، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، وصياغة عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق جميع السوريين على أساس العدالة والمساواة.

فالقطيعة مع الماضي لا تصنع بالشعارات، بل بإرادة سياسية واضحة، ومشروع وطني جامع، وقدرة حقيقية على تحويل التحديات الراهنة إلى فرصة لإعادة تأسيس الدولة والمجتمع. وبين الاستحقاقات المؤجَّلة وضغط الواقع اليومي، يبقى مستقبل سوريا مرهونًا بقدرة السوريين على صياغة عقد اجتماعي جديد، يطوي صفحة الماضي دون أن يطمس دروسه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…