الأحزاب الكوردية: البنية الفكرية والتحديات التنظيمية في ست وستون عاماً من النضال

ماهين شيخاني

 

تمر التجربة الحزبية الكوردية هذا العام بمرور ست وستون عاماً على تأسيس أولى التنظيمات السياسية الكوردية الحديثة، وهي رحلة شائكة تكشف عن خصوصية فريدة في بنيتها الفكرية وهياكلها التنظيمية، تجعل منها نموذجاً استثنائياً في علم السياسة المقارن.

الفصل الأول: أسس البنية الفكرية – بين الثابت والمتحول

تقوم المنظومة الفكرية للأحزاب الكوردية على ثلاثة أعمدة رئيسية تشكل “مثلث الهوية الكوردية السياسي”:

الركن الأول: السؤال القومي المتجدد

لا يزال الحفاظ علىالهوية الكوردية والدفاع عن الحقوق القومية المشروعة هو المحور الثابت في فكر كل الأحزاب الكوردية، لكن هذا الركن شهد تطورات جوهرية:

  • التحول من المطالبة بالانفصال إلى الفيدرالية في معظم الخطابات (خاصة في العراق).
  • الانتقال من النضال المسلح إلى السياسي كخيار أول (مع استثناءات).
  • تطوير مفهوم “الحكم الذاتي الديمقراطي” كبديل عملي في سوريا.

الركن الثاني: التعددية الأيديولوجية تحت المظلة القومية

تنقسم الخارطة الأيديولوجية للأحزاب الكوردية إلى أربعة تيارات رئيسية:

  1. تيار الديمقراطية الاجتماعية (مثل حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني في العراق):
  • يجمع بين الاشتراكية المعتدلة والليبرالية الاقتصادية.
  • يؤمن بالتدرج في تحقيق المطالب القومية.
  1. تيار التحول المجتمعي (مثل حزب العمال الكوردستاني في تركيا وما يتفرع عنه في سوريا):
  • تطور من الماركسية اللينينية إلى فكرة “الأمة الديمقراطية”.
  • يرفع شعارات علمانية متطرفة ومساواة جذرية بين الجنسين.
  • يتبنى نموذج “الكونفدرالية الديمقراطية” كنظام بديل.
  1. تيار الإسلام السياسي المعتدل (مثل حزب العدالة والتنمية الكوردي في تركيا وحركة التجمع الإسلامي الكوردستاني في العراق):
  • يحاول التوفيق بين الهوية الإسلامية والهوية القومية.
  • يتبنى خطاباً إصلاحياً داخل الأنظمة القائمة.
  1. تيار الليبرالية القومية (في بعض أحزاب إقليم كوردستان العراق):
  • يركز على بناء دولة مؤسسات واقتصاد سوق حر.
  • يضع التنمية الاقتصادية فوق الصراع الأيديولوجي.

الركن الثالث: العلاقة العضوية مع الجغرافيا والتاريخ

تمتلك الأحزاب الكوردية ذاكرة تاريخية موحدة رغم تعدد المرجعيات الأيديولوجية، تعتمد على:

  • تراث إمارات كوردستان التاريخية (بودان، بابان، سوران).
  • تجربة جمهورية مهاباد (1946) كأول دولة كوردية قصيرة العمر.
  • الانتفاضات الكوردية المتكررة ضد الأنظمة المركزية.

الفصل الثاني: التشريح التنظيمي – بين الأصالة والمعاصرة

السمات التنظيمية المشتركة:

  1. الهياكل الهرمية الصارمة:
  • غالباً ما تكون مركزية القرار في يد “المكتب السياسي”.
  • تأثر واضح بالتراث العشائري في بناء التحالفات الداخلية.
  • القيادة الكاريزمية كظاهرة عامة .
  1. التنظيم في ظل الظروف الاستثنائية:
  • خبرة طويلة في العمل السري وشبه السري.
  • بنية تنظيمية مرنة تتحول بسرعة بين العمل السياسي والعسكري.
  • الشبكات العابرة للحدود كسمة مميزة (مثل العلاقات بين أحزاب كوردستان سوريا والعراق).
  1. ثقافة التنظيم الداخلية:
  • الانضباط الحزبي العالي كضرورة للبقاء.
  • الولاء الشخصي يطغى أحياناً على الولاء المؤسسي.
  • ضعف آليات التداول السلمي للسلطة داخل العديد من الأحزاب.

الفصل الثالث: التحديات الفكرية والتنظيمية الراهنة

التحديات الفكرية:

  1. أزمة الشرعية المزدوجة:
  • كيفية الجمع بين شرعية النضال القومي وشرعية المشاركة في الدولة القُطرية؟
  • إشكالية الولاء المزدوج للكوردية وللدولة الأم (سوريا، العراق، تركيا، إيران).
  1. الصراع بين الأيديولوجية والبراغماتية:
  • أحزاب في الحكم (العراق) تتبنى خطاباً براغماتياً.
  • أحزاب في المعارضة (تركيا، إيران) تتبنى خطاباً أيديولوجياً صلباً.
  • هذا يخلق فجوة فكرية بين أحزاب الكورد في دول مختلفة.
  1. تحدي الدولة المدنية:
  • هل يمكن بناء دولة كوردية تكون في نفس الوقت دولة مدنية حديثة؟
  • كيف تتجاوز الأحزاب الكوردية الإرث العشائري والعائلي في ممارسة السلطة؟

التحديات التنظيمية:

  1. تحدي التحول الديمقراطي الداخلي:
  • معظم الأحزاب لم تحل إشكالية التوريث السياسي (العراق) أو المركزية المفرطة (سوريا).
  • جيل الشباب يطالب بحصة أكبر في القيادة.
  1. تشتت المشهد الحزبي:
  • في سوريا: عشرات الأحزاب والتنظيمات.
  • في العراق: استقطاب حاد بين الحزبين الرئيسيين.
  • في تركيا: أحزاب كوردية محظورة تعمل من المنفى أو السر.
  1. تحدي التحول من حركة تحرر إلى حزب حكم:
  • حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني في العراق ما زالا يعانيان من هذه الإشكالية.
  • غياب الثقافة البرلمانية وتقاليد المعارضة المسؤولة.

الفصل الرابع: الآفاق المستقبلية – نحو نموذج كوردي مستدام

رؤية للتطوير الفكري:

  1. تطوير مفهوم “القومية المدنية”:
  • قومية تتسع لكل مكونات المجتمع في المناطق الكوردية.
  • فصل الهوية الكوردية عن أي أيديولوجية سياسية متطرفة.
  1. بلورة مشروع “المواطنة المتعددة المستويات”:
  • هوية كوردية + هوية قُطرية (عراقية، سورية) + هوية إقليمية (شرق أوسطية).
  1. إنتاج فكر سياسي كوردي يجيب على أسئلة القرن الحادي والعشرين:
  • البيئة، الحقوق الرقمية، الاقتصاد الأخضر، مكانة المرأة.

رؤية للتطوير التنظيمي:

  1. دمقرطة الهياكل الحزبية:
  • انتخابات داخلية ديمقراطية حقيقية.
  • تحديد فترات زمنية للقيادات.
  • فصل المال العام عن المال الحزبي.
  1. بناء نظام حزبي كوردي متكامل:
  • أحزاب قومية + أحزاب برامجية (بيئية، نسوية، شبابية).
  • تحالفات سياسية متغيرة حسب البرامج لا حسب الهويات.
  1. توحيد الرؤية مع احترام التعددية:
  • مجلس تنسيق أعلى للأحزاب الكوردية في كل قُطر.
  • مؤتمرات فكرية دورية لتطوير المشروع الكوردي المشترك.

خاتمة: الكورد بين تحديات التاريخ وفرص المستقبل

تمر الأحزاب الكوردية اليوم بأخطر مفترق طرق في تاريخها الحديث: إما أن تتحول إلى أحزاب دولة قادرة على إدارة التعددية واحترام حقوق الآخرين، أو تبقى أحزاب هوية تحاصر نفسها في ماضٍ رومانسي.

النجاح سيكون حليف تلك الأحزاب التي:

  • تستطيع تحويل الذاكرة التاريخية من إرث صراعي إلى رأس مال سياسي للتفاوض.
  • تتبنى دستوراً داخلياً ديمقراطياً يجذب أجيال الشباب.
  • تقدم نموذج حكم ناجح في المناطق التي تديرها يكون أفضل من النماذج المركزية.

مائة عام من النضال الكوردي علمتنا درساً واحداً: الحقوق لا توهب، بل تُنتزع عبر مشروع سياسي ناضج، وهياكل تنظيمية متينة، ورؤية فكرية تتجاوز الذات إلى آفاق الإنسانية المشتركة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عدنان بدرالدين تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…