الدولة الكوردية:مفتاح السلام والاستقرار في الشرق الأوسط

بنكين محمد

في منطقةٍ أنهكتها الصراعات المزمنة وتنازعتْها مشاريع الهيمنة والهويات المتصارعة، يبرز السؤال الجوهري: ما هو المدخل الحقيقي لسلامٍ عادلٍ ومستدام في الشرق الأوسط؟ من بين الإجابات المتداولة، تفرض القضية الكوردية نفسها اليوم بوصفها أحد المفاتيح الأكثر واقعية لتحقيق هذا السلام، ليس فقط للكورد، بل لشعوب المنطقة كافة.
لم يكن الكورد يوماً طرفاً طارئاً في جغرافيا الشرق الأوسط أو تاريخه السياسي. فهم شعب أصيل، يمتد وجوده لآلاف السنين، وأسهم بعمق في بناء حضارات المنطقة وحماية توازنها. غير أن القرن الماضي، بما حمله من تقسيمات قسرية واتفاقيات دولية مجحفة، حرم الكورد من حقهم الطبيعي في تقرير المصير، وتركهم موزعين بين أربع دول، عرضةً لسياسات الإنكار والتهميش والصهر القسري.
إن التجارب المعاصرة للكورد، ولا سيما خلال العقود الأخيرة، أثبتت أن هذا الشعب قادر على أن يكون عاملاً للاستقرار لا للفوضى. ففي أكثر اللحظات قتامةً من تاريخ المنطقة، وقف الكورد في الخطوط الأمامية للدفاع عن القيم الإنسانية المشتركة، من مكافحة الإرهاب إلى حماية التنوع الديني والقومي، وصولاً إلى بناء نماذج حكم محلية أكثر انفتاحاً وتسامحاً مقارنةً بمحيطها المضطرب.
الدولة الكوردية المنشودة ليست مشروعاً عدائياً ولا تهديداً لوحدة دول المنطقة، بل على العكس، يمكن أن تشكّل صمام أمان إقليمي. فالدول التي قامت على إنكار حقوق مكوّناتها القومية لم تعرف الاستقرار الحقيقي، بينما تُظهر تجارب العالم أن الاعتراف بالتعددية واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها هو الطريق الأقصر نحو السلم الأهلي والإقليمي.
من منظور دبلوماسي واقعي، فإن قيام دولة كوردية أو كيان سياسي معترف به دولياً للكورد من شأنه أن يساهم في إعادة توازن العلاقات في الشرق الأوسط، ويحدّ من النزاعات العابرة للحدود، ويخلق شريكاً موثوقاً للمجتمع الدولي في ملفات الأمن، والطاقة، ومكافحة التطرف. كما أن هذا الاعتراف سيغلق أحد أقدم جروح المنطقة المفتوحة، والذي طالما استُخدم ذريعةً للقمع الداخلي أو للتدخلات الخارجية.
إن السلام لا يُبنى بالقوة ولا بفرض الأمر الواقع، بل بالعدالة والاعتراف المتبادل. ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراف بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره، لا يمثل تنازلاً من أحد، بل استثماراً في مستقبل أكثر استقراراً وأمناً للشرق الأوسط بأسره.
قد يختلف الفاعلون الإقليميون والدوليون على تفاصيل الحلول، لكن الثابت أن تجاهل القضية الكوردية لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار. فالدولة الكوردية، أو على الأقل الاعتراف السياسي الكامل بالكورد كشعب صاحب حق، لم تعد حلماً رومانسياً، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. إنها ليست مفتاح سلام للكورد وحدهم، بل بوابة أمل لمنطقةٍ تبحث منذ قرن عن سلامٍ حقيقي.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…