اليوم العالمي لحقوق الإنسان – مظاهرة 10/12/2002

 

خاشع رشيد

كنا ستة أصدقاء خرجنا من جامعة تشرين في اللاذقية، تحملنا الطرقات نحو دمشق كما يحمل القلب خطوة إلى المجهول. كانت المشاعر مختلطة؛ فلم نكن يَكِيتيين، بل قوميين ووطنيين، نبحث عن مكان لنا وسط صمتٍ خانق.
في تلك السنوات لم يكن الخوف قد استوطن أرواحنا، أو لعلنا كنا أصغر من أن ندرك ثقله.
خرجنا فجراً إلى الكاراج، فركبنا الباص ومعنا أحلام طلابٍ وطالباتٍ كُثر، تلمع في عيونهم رغبة خجولة للانتماء إلى لحظة أكبر من أعمارهم.
وحين وصلنا إلى الساحة قبل الموعد، مشينا اثنين اثنين، متفرقين قليلاً ومتقاربين كثيراً. هناك التقينا سكرتير حزب يكيتي، الأستاذ عبد الباقي اليوسف، الذي كان يراقب المكان بهدوء، كان يعرف أن شرارة صغيرة قد تتحول إلى حريق.
لم نكن نعرف من سيشارك معنا. كنا نجهل كل شيء تقريباً، سوى أن بعض قيادات يكيتي ستكون هناك.
لكن الدقائق التالية حملت ما لم نتوقعه؛ فبشكل عفوي ومفاجئ، وفي تمام الموعد، وجدنا أنفسنا نتجمع من كل زاوية في الساحة، كأننا خيط واحد عاد ليلتحم. رُفعت اللافتات، وبدأت خطانا تشق الشارع المزدحم. وما هي إلا لحظات حتى انطلقت حناجرنا بالنشيد القومي “أي رقيب”، ثم شعارات وحدة الشعب الكردي، وهتافات بالكردية والعربية تطالب بالحرية والحقوق، تتداخل مع أغاني شفان برور التي ما زالت ذاكرتي تحفظ منها ظلالاً.
لا أعرف كم مشينا. ربما مئة وخمسين أو مئتي متر. لكنني أعرف جيداً كيف وقفنا أمام مبنى مجلس الشعب، وكيف حاصرتنا قوى الأمن من كل اتجاه، وكيف بدا الشارع كلحظة توقف فيها الزمن برمّته.
كان معنا بيان للمظاهرة، ورقة واحدة فقط، يحملها أحد القياديين، ربما الأستاذ حسن صالح أو الأستاذ مروان عثمان.
ومن بعيد كنت أرى على وجوه الناس خوفاً وحيرة، كأنهم يراقبون مصيرهم من خلف زجاجٍ غير مرئي. وفي تلك اللحظة، وبدافع حدس لا أعرف مصدره، قررت أنا وصديقٌ لي أن نفعل شيئاً.
أخذنا البيان، اجتزنا رجال الأمن بخطوات ثابتة، وبدأنا نبحث في الشارع عن مكتبة. وجدنا واحدة، ودخلنا ونحن نرجو أن يفهم صاحبها حاجتنا. سألنا:
“كم نسخة؟”
فأجبنا:
“كل الأوراق التي لديك.”
ابتسم وقال: “تكرموا.”
طبعنا المئات. تركنا له نسخة، وعدنا نوزعها للناس في الطريق، وننثر الكلمات كمن ينثر بذوراً في أرضٍ طالها الجفاف.
تواصل رجال الأمن مع المتظاهرين، فطلبنا لقاء رئيس مجلس الشعب لنقل مطالب الشعب عبر المتظاهرين. وبعد أخذٍ وردٍّ طويلين، تقرّر أن يدخل ممثلان عن المتظاهرين. دخل الرجلان ( حسن صالح ومروان عثمان )، وظلت أصواتنا تهتف خارج المبنى، لا تهدأ.
وبعد ساعة تقريباً خرجا، فصفقنا لهما بحرارة، وارتفعت الشعارات الكردية من جديد. شرحا لنا ما جرى في اللقاء، وأنهما عرضا مطالب الشعب الكردي بوضوح، وأن المسؤولين وعدوا بإيصالها إلى رئاسة الجمهورية.
كانت لحظات الغبطة تلك عفوية وصادقة؛ كان المتظاهرون يعانقون بعضهم بعضاً، ويبتسمون رغم الخوف العالق تحت الجلد.
ثم بدأنا بالافتراق بحذر، مجموعات صغيرة متباعدة. أما نحن الأصدقاء الستة فعدنا إلى الكاراج، فرحين وخائفين في آن واحد، مستعدين لكل ما قد يحدث في طريق العودة إلى جامعتنا.
مما استخلصته يومها:
• كان الانقسام واضحاً داخل قيادة يكيتي؛ طرف يفضّل الهدوء، وآخر يُصرّ على الحراك، وقد انتصر الثاني تلك المرة.
• لم تكن المشكلة في الشباب الكردي، بل في الأحزاب التي لم تعرف كيف تكون مع شعبها. ورغم عدم الإعلان عن المظاهرة، ورغم خطورتها الكبيرة، فإن مشاركة الشباب المستقلين والدعم الشعبي اللاحق أثبتا أن الناس كانوا جاهزين للحظة التغيير. وكانت انتفاضة 2004 الشاهد الأكبر.
• لا أعرف إن كان غيرنا من المشاركين قد تعرض لضغوط أمنية، باستثناء القياديين حسن ومروان. لكنني أدركت يومها أن النظام كان أقل بطشاً حين يرى أمامه شخصاً واضحاً، سلمياً، مكشوفاً، ذا وعيٍ معقول بالنسبة لسنّه.
فلم يُسأل أحد منا بعدها مباشرة.
لكنني اعتُقلت لاحقاً مع مجموعة كبيرة من طلاب جامعة تشرين خلال ندوة سياسية للحزب الديمقراطي التقدمي الكردي.
وفي التحقيق، قال لي الضابط، وهو برتبة مقدّم:
“نحن نعرفك جيداً. نعلم أنك شاركت في تلك المظاهرة، وأنكم شكّلتم لجنة طلابية كردية تجمع كل الأحزاب والمستقلين. ونعلم بنشاطاتكم الثقافية والاحتفالية والرحلات، وبأن لديكم أول مكتبة تضم مئات الكتب، ونعرف أين هي. ونعلم أيضاً بمجلتكم الطلابية الأولى (مجلة آر).”
سأكتب يوماً عن تلك اللجنة ونشاطاتها وكيف تأسست.
تحية لكل من وقف في تلك المظاهرة، ولكل من حمل شعلةً صغيرة في وجه الظلام، وأخصّ بالذكر نحن الأصدقاءَ الستّة من جامعة تشرين.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…