نول الكتابة حياكة للواقع*

نارين عمر
 
  الكتابة كفعلٍ إنسانيّ، وجدانيّ فاعل وفعّال في حياة المجتمعات والشّعوب منذ ظهورها الأوّل وحتّى يومنا هذا تشبه النّول في عمله وحركة دورانه وحسن اتقانه؛ فكما أنّ النّول يحيك النّسيج بدقّة واتقان إلى أن يهندس في الحياكة هندسة بارعة، ثمّ يضفي عليه الإبداع والرّوعة من خلال النّقوش والزّخرفات التي يضيفها بطريقة تناغميّة، متآلفة ومتوازنة في الأشكال والألوان والأحجام، كذلك تفعل الكتابة في القارئ والمتلقي حيث تنقل مجريات الواقع وأحداثه بتفاصيله الصّغيرة والكبيرة، الدّقيقة والبائنة، ولا تنسى أن تستعين بالخيال والوجدان في الكثير من الأحيان  والأوقات لتضفي عليها ما لذّ وطاب من الصّور والتّشبيهات والمحسّنات اللفظيّة والبديعيّة.
طبقاً لذلك من المفترض بالكاتب أومَنْ يودّ الطّواف في عالم الكتابة والأدب أن يكون حائكاً متقناً لعمله أو محبّاً للحياكة، أو على الأقلّ مستعدّاً لتحمّل أعبائها وتبعاتها، وواثقاً من امتلاك المقوّمات والقدرات التي تؤهّله لتعلّمها وتقبّلها.
الكتابة باعتقادي ملكة فطرية قبل أن تكون مكتسبة. هي فطرة أوّلاً ثمّ يأتي دور الاكتساب ليمنحها القوّة والألق والاقتدار.
كتّاب الكرد في جهات كردستان المختلفة وفي مختلف أجزاء المعمورة مدعوون اليوم وغداً إلى القيام بواجبهم الإنسانيّ والمهنيّ تجاه شعبهم ومجتمعهم وتراب وطنهم في مثل هذه الظّروف والأوقات الصّعبة والمتميّزة والاستثنائية التي تمرّ بها شعوب ومناطق وأقاليم الشّرق الأوسط والعالم ككلّ.
من المستحسن أن يعلم الجميع أن لا فضل لكاتب على الآخر، أن لا فضل لأديب على الآخر، ولا فضل لهما على المجتمع إلا بمقدار عطائه الخالص، ترجمته للواقع بأدقّ تفاصيله بصدق وأمانة إلا بمقدار تأثيره في القارئ والمتلقي أوّلاً والآخر المتلقي المتمثّل بالرّأي العام المحليّ والعالميّ الذي يودّ الكاتب أو الأديب إيصال فكره وشعوره إليه.
الكاتب الكردي كان وما يزال لسان حال قومه ومجتمعه، بل والمتكلّم الأوّل والمتحدّث اللبق والشّجاع بفكره وعواطفه في التّأثير على الرّأي العام الاقليميّ والدّوليّ في هذه الظّروف الاستثنائيّة، كلّ بحسب طاقاته وإمكانيّاته المتاحة والمتباينة ليثبت بكلّ جدارة واستحقاق أنّه كان وسيظلّ رديف المقاتل والمناضل عل جبهات القتال والدّفاع، يحيك وينسج على نول واقعنا، لننقش قضايانا وحقوقنا وطموحاتنا المشروعة بألوان زاهية، واضحة وجذّابة،  نحقّقَ بها إنتاجاً وفيراً ونتلقّى دعماً جيداً.
ليس لدينا متسع من الوقت لنتحاور على أمور تلهينا عن التّفكير بقضايانا المصيريّة. ليس أمامنا الكثير من الوقت لنتبارز ونتفاخر على أيّنا هو الأفضل وأيّة جماعة أو كتلة أو منظّمة منّا هي الأفضل والأكثر كفاءة وعطاء وقدرة على العطاء.
الوطن ينادينا، والضّمير يدغدغ حسّنا وفكرنا، فلينطلق كلّ منّا بحسب طاقته وقدرته على العطاء.
قديماً قالوا: “القلم ذو تأثير فعّال كالسّلاح ذاته” فإن لم يستطع الإنسان القتال والدّفاع بالسّلاح بإمكانه فعل ذلك بالقلم والفكر. فليقاتل كلّ منّا بحسب السّلاح الذي يمتلكه، وليدافع عن وجوده أوّلاً ووجود شعبه وأمّته وتراب وطنه وأرضه بهذا السّلاح الفعّال.

 

*المقال منشور في جريدة يكيتي العدد 338

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…