الرئيس الانتقالي… عندما يتقدم المنتصر على الدولة

حسن برو

في اللحظة التي يفترض فيها أن تبدأ السياسة بالعمل، عاد الخطاب إلى اللغة الأولى من الثامن من كانون الاول (من ينتصر يقرر) . من على منبر ديني، وبزي عسكري، أعلن الرئيس المؤقت أحمد الشرع:
«أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فوالله لن يقف في وجهنا أحد».
هذه العبارة الواحدة بدت كافية لإعادة تعريف المرحلة الانتقالية من جديد، ليس بوصفها جسرا نحو الدولة، بل امتدادا لروح ذاك اليوم التي سيطرة فيها الفصائل على سوريا وهروب الأسد الابن ، وهي تعني ” بكل ما تحمل من يقين وقوة وحشد واستنفار”.
في الدول التي تهبط من ذروة الصراع إلى أرض البناء، ينتظر الناس من قادتهم وضع أسس لعقد اجتماعي جديد” الدستور، المؤسسات، قواعد تداول السلطة”
وهو ما لم نره منذ العام للآن ، لكن هذه العبارة التي أطلقها الرئيس احمد الشرع لم تتوجه إلى الدولة، بل إلى الجمهور باعتباره «جماعة» تمنح الطاعة بدل أن تمنح التفويض. والفرق بين الطاعة والتفويض ليس هامشيا: الأول يعيد إنتاج نموذج الحاكم الفرد، والثاني يصنع مواطنا شريكا في القرار.
الشرع لم يبدأ كلمته من القانون، بل من الدين ولم يقف على منصة دولة ناشئة، بل على منبر هذه الرموز ليست شكلا بلا مضمون. المنبر تاريخيا هو منصة الوعي الجماعي الموحد، بينما منصة الحكم هي ساحة الاختلاف المنظم المنبر يقول للجمهور: «أنا أمثلكم في الحق»، أما منصة الدولة فتقول: «أنا أمثلكم في القانون». هنا اختار الرئيس لغة الحق بما تحمله من يقين أخلاقي، على حساب لغة القانون بما تحمله من تعاقد عقلي.
العبارة الشهيرة: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم» ليست جملة سياسية حديثة، بل استدعاء لمرجعية (أخلاقية–دينية ) تمنح القائد شرعية فوق دستورية، إن نقد هذه المقاربة ليس طعن في الدين نفسه، بل في توظيف المقدس لإنتاج شرعية لا تخضع للمحاسبة المؤسساتية ،فالسلطة في الدولة الحديثة لا تختبر في مدى قربها من الحق المجرد، بل في قدرتها على خدمة الناس ضمن قواعد واضحة.
أما الشطر الثاني من العبارة: «فوالله لن يقف في وجهنا أحد»، فهو إعلان انتصار لا إعلان بناء وهي تعبر عن خطاب القوة الثابتة في لحظات الثورة، لكنه خطير في لحظات الانتقال ،المرحلة التي تلي السقوط ليست لحظة استعراض القدرة، بل لحظة إظهار المسؤولية، القوة التي تستخدم لتغيير النظام القديم يجب أن تتحول إلى قوة تبني النظام الجديد، لا قوة تمنع الآخرين من الوقوف في «وجهنا». فمن سيقف إذا داخل مؤسسات الدولة ليوازن السلطة؟ ومن سيختبر خيارات القيادة إذا كانت الطاعة واجبا ومطلقا؟
الأخطر من النص هو الشكل: رئيس مؤقت بلباس عسكري. هذا الدمج بين الزي والمنبر يعيد تعريف المرحلة الانتقالية بوصفها مرحلة قيادة مسلحة مؤمنة، لا مرحلة دولة مدنية ناشئة، الجيش ليس مؤسسة الثورة، بل جهاز الدولة وإذا استمر السياسي في حمل البزة العسكرية، فمن الذي سيحمل الدستور؟ ومن سيقنع الناس أن السلطة ليست ملك لمن انتصر في الحرب، بل لمن ينجح في السلم؟
قد يرى البعض في هذا الخطاب ثقة مطلوبة وتجسيد لوحدة القيادة في لحظة هشة. وقد يعتبرونه رسالة إلى الخارج بأن القرار مستقلّ وقادر على فرض نفسه ، ولكن الخوف كل الخوف أن تتحول هذه اللغة من لحظة تعبئة إلى بنية حكم. فالتاريخ يعلمنا أن الثورات التي تبني دولا تنتصر على ذاتها قبل خصومها: وتنتقل من منطق القوة إلى منطق القانون، ومن شرعية الحق إلى شرعية العقد.
ما يحتاجه السوريون اليوم ليس قائد يعد بأن أحدا لن يقف في وجهه، بل نظاما يسمح للجميع بالوقوف في وجه السلطة حين تخطئ، ليس رئيسا يطلب أن يطاع، بل رئيسا يخضع للمساءلة. ليست دولة تتكئ على المنبر، بل دولة تبني منبرا جديدا للحوار الوطني، منبرا يتسع للمختلفين كما يتسع للمؤيدين.
إن أخطر ما في المرحلة الانتقالية أن تتحول إلى مرحلة حكم ثوري بلا نهاية، فالثورة التي لا تنتج دولة تتحول إلى سلطة، والسلطة التي لا تبنى على المؤسسات تتحول إلى شخص ، وفي لحظة ما، قد نجد أنفسنا أمام قائد جديد يطالب بالطاعة، ليس لأن الأسد سقط، بل لأنه «يطاع الله في الناس». وبين هذه العبارة وتاريخ الاستبداد في المنطقة مسافة قصيرة جدًا.
العبارة التي افتتح بها الرئيس المؤقت خطابه تبدو، في ظاهرها، دعوة إلى الطاعة المشروطة بالحق. لكنها في سياق دولة حديثة، هي دعوة إلى تقديس القيادة بدل تنظيم السلطة…… وإن تأسيس دولة ديمقراطية في سوريا لن يبدأ من جملة تحشد الناس خلف القائد، بل من جملة تعيد الناس إلى موقع الشريك.

الثورة السورية قدّمت تضحيات هائلة لتعيد للإنسان السوري لمكانته كمواطن، الذي فقده خلال ستة عقود تلك الصفة ، وأن أي خطاب يعيد المواطن إلى موقع «السامع المطيع» هو رسالة مقلقة مهما كانت نوايا القائل ، فالدولة الحديثة لا تبنى على الطاعة، بل على المشاركة؛ ولا تقوم على القائد، بل على مؤسساتٍ أقوى من القادة.
وفي النهايةيمكن القول إن اللحظة الانتقالية هي امتحان أخلاقي قبل أن تكون امتحانا سياسيا ، والرهان الحقيقي ليس أن «لا يقف أحد في وجهنا» بل أن يقف الشعب كله مع دولته، لأنها دولته، لا دولة الرجل الذي يرتدي الزي العسكري على المنبر.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمال ولو ​بعد خمسين عاماً من معايشة الوجع الكردي، لم أتوقف يوماً عن القراءة في الكتب العلمية والاستماع بإنصات لكل من النخبة والجماهير، مؤمناً بأن واجبي الإنساني والقومي يفرض عليَّ أن أكون تلميذاً دائماً للحقيقة. ومنذ أكثر من نصف قرن، دأبتُ على جمع خلاصة الفكر الإنساني والسياسي في مكتبتي الخاصة، وحفظتها كأمانة للتاريخ. ​اليوم، ومع سقوط النظام البعثي الأمني وهروب…

عبدالجابرحبيب الشبهة بين النص والتراث في بعض زوايا التراث، حيث تختلط الرواية بالتاريخ وتتشابك اللغة بظلال الأزمنة القديمة، تظهر بين حينٍ وآخر نصوصٌ تُقتطع من سياقها لتتحول إلى مادةٍ لإثارة الشبهات. ومن تلك النصوص ما يُتداول من روايات تزعم أن «الأكراد حيٌّ من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء»، أو ما ورد في بعض الكتب من كراهية مخالطتهم أو الزواج…

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…