سياسات الصداقة

صبحي دقوري

لا يمكن الحديث عن الصداقة في السياق الكردي من دون تسمية العدوّ الذي عمل قرونًا على تجفيف ينابيعها.

فالأنظمة الأربعة — تركيا، سوريا، إيران، والعراق قبل 2003 — لم تفعل سوى شيء واحد: تفكيك شبكة الصداقة الكردية، وتمزيق خيوط الثقة، وسحق كل إمكانية للبناء المشترك.

لقد كانت سياستها المركزية هي تحويل الكرد إلى شعب منزوع القدرة على التواصل، لأن الشعب الذي لا يتواصل لا يستطيع أن يصنع أصدقاء، والشعب الذي بلا أصدقاء لا يستطيع أن يصنع سياسة.

لم يكن الهدف من منع التعليم باللغة الكردية في تركيا هو حماية “الوحدة الوطنية”، بل قطع جذور الذاكرة ومنع الكرد من الاعتراف ببعضهم.

لم يكن سحب الجنسية عن مئات آلاف الكرد في سوريا عملاً إداريًا، بل تجريمًا لوجودهم كي يبقى كل كردي في نظر الدولة قابلاً للإلغاء.

لم يكن قمع الأحزاب الكردية في إيران دفاعًا عن القانون، بل إصرارًا على إبقاء الكرد خارج السياسة حتى إذا دخلوا البرلمان دخلوا مكبّلين.

ولم يكن الأنفال في العراق حربًا على التمرد، بل إبادة جماعية هدفها الأخير هو قتل الصداقة بين الكرد أنفسهم قبل قتل أجسادهم.

هذه الأنظمة لم تخشَ الكرد؛ خشيت شيئًا آخر:

خشيت أن يقول الكرد: نحن موجودون… ولنا أصدقاء.

فالوجود يمكن قمعه بالقوة، أمّا الصداقة فلا سلاح يوقفها.

الصداقة تُعيد كتابة الجغرافيا، تُعيد ترتيب الأخلاق، وتحوّل «القضية» إلى سؤال عالمي.

ولهذا كان المطلوب دائمًا هو إبقاء الكرد في حالة “انقطاع” مرسوم:

  • انقطاع بين الكردي وجاره العربي.
  • انقطاع بين الكردي ورفيقه التركي.
  • انقطاع بين كردي العراق وكردي سوريا.
  • انقطاع بين الجبل والعالم.
  • انقطاع بين الضحية والصوت.

إن العزلة التي فُرضت على الكرد ليست حادثًا تاريخيًا، بل نظامًا متكاملاً من إنتاج العدم.

وإذا كان للموت أشكال، فإن أحد أشدّها قسوة هو الموت السياسي؛ موتٌ لا يُدفن فيه الجسد، بل تُدفن فيه الكلمة، وتُمنع الصداقة، ويُمنح الشعب الحق في الحياة بشرط ألا يملك علاقة واحدة تجعله ينهض.

ولهذا كانت الصداقة — في نظر الأنظمة — جريمة يجب قمعها.

جرى اعتقال شباب في سوريا لأنهم «اجتمعوا للحديث عن الثقافة».

وجرى سجن آلاف في تركيا لأنهم «تحدثوا بالكردية مع بعضهم».

وجرى إعدام كوادر في إيران لأنهم «كوّنوا صلات اجتماعية خارج رقابة الدولة».

وجرى دفن قرى بأكملها في العراق لأن القرية بطبيعتها شبكة صداقة لا يمكن للدكتاتور أن يتحمّلها.

وكل هذه الأنظمة تكرّر خطابًا واحدًا:

“الكرد إذا امتلكوا صداقات… يمتلكون نفوذًا. وإذا امتلكوا نفوذًا… تصبح حقوقهم قابلة للنقاش. والنقاش هو بداية السقوط.”

إن الصداقة هنا ليست مسألة وجدانية، بل سلاح جيوسياسي.

ولهذا حاربتها الأنظمة باعتبارها مشروعًا للتمرّد.

وبقدر ما سعت لإبقاء الكرد في العزلة، بقيت هي نفسها في فراغ أخلاقي؛

فالأنظمة التي تقتل الصداقة لا تملك صديقًا،

والأنظمة التي تجرّم الثقة لا يمكن أن تبني وطنًا،

والأنظمة التي تخاف من شعب أعزل لا تستحق غير السقوط.

إن سياسات الصداقة، حين نعيد قراءتها، لا تعني فقط بناء تحالفات، بل هدم البنية التي صنعت صمت القرون.

إنها إعلانٌ ضدّ تركة التتريك، والتعريب، والتفريس، والبعث، وكل أشكال الهندسة القومية التي أرادت للكرد أن يكونوا قطعًا من جغرافيا لا صوت لها.

الصداقة، في نسختها الكردية الجديدة، يجب أن تكون نقيض هذا النظام:

صداقة تكسر خوف الداخل،

وتكسر وهم العدو،

وتكسر احتكار السردية،

وتحوّل الكرد من “مشكلة” إلى شريك.

إن العالم لا يحترم الشعوب الصامتة، بل يحترم الشعوب التي تبني علاقات وتكتب تاريخها بأصواتها.

والكرد قادرون اليوم — كما لم يكونوا في أي زمن سابق — على صنع شبكة صداقات تتجاوز حدود الدول التي حبستهم.

قادرون على تحويل مظلوميتهم إلى خطاب.

والخطاب إلى حلفاء.

والحلفاء إلى قوة رمزية تخيف الطغاة أكثر من أي سلاح.

ولذلك يجب أن تكون السياسات الجديدة واضحة:

لا ولاء لمن يطلب من الكرد أن يصمتوا.

لا شراكة مع من ينكر وجودهم.

لا صداقة مع من يبني مجده على محوهم.

الصداقة تُمنح فقط لمن يعترف، ويحترم، ويعامل الكرد كالندّ، لا كتابع.

وحين تتحقق هذه الشروط، يمكن القول إن الكرد لم يعودوا شعبًا يبحث عن الأصدقاء،

بل شعبًا يُـ صغيّرُ هو نفسه مقياس الصداقة.

ومن لا يستوفي هذا المقياس — دولة كان أو حزبًا — لا يستحق مكانًا في مستقبل المنطقة.

الصداقة ليست ترفًا.

وليست تحالفًا عابرًا.

الصداقة، للكرد تحديدًا، هي استعادةٌ لمكانٍ في العالم،

وانتقامٌ رمزيّ من قرون العزلة،

وبداية كتابة التاريخ بصوتٍ لا يستطيع أحد إسكاتـه بعد الآن

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…