الحوار حقّ للجميع… والتفاوض مسؤولية المكلَّفين وحدهم

شادي حاجي
يُصبح من الضروري، في المشهد السياسي الكردي في سوريا، ومع تعقّد العلاقات الداخلية الكردية الكردية، والكردية مع السلطة المؤقتة في دمشق والقوى السياسية والديمقراطية الأخرى والإقليمية والدولية، إعادةُ التأكيد على مبادئ تنظيمية وسياسية تحمي وحدة القرار السياسي الكردي وتضمن احترام الأطر الناظمة للعمل الحزبي الكردي. ومن أبرز هذه المبادئ التمييز بين حقّ الأحزاب والقيادات في الحوار، وبين مسؤولية الجهات المكلّفة حصراً بالتفاوض سواء كان حزباً أو قيادياً أو حتى إذا كان شخصاً مستقلاً حول القضايا المصيرية.
١- الحوار… أداة سياسية مشروعة لا يجوز تقييدها
إنّ مشاركة أيّ حزب كردي، سواء كان مستقلاً أو جزءاً من ائتلاف سياسي (المجلس الوطني الكردي – الإدارة الذاتية – الوفد الكردي المشترك)، في الحوارات والاجتماعات مع الأطراف الأخرى، هي ممارسة سياسية طبيعية ومشروعة. بل إنّ الحوار يُعدّ شرطاً أساسياً لبناء الثقة بين القوى الكردية، ويشكّل بوابة للتواصل مع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية. فالحوار ليس التزاماً سياسياً يُلزم طرفاً بقرارات، ولا هو اتفاق، بل هو تبادل للآراء والمواقف دون أن يرتّب نتائج قانونية أو سياسية مُلزمة. لذلك، فإنّ من حقّ أيّ قيادي أو مسؤول حزبي أو مستقلّ الانخراط في هذه اللقاءات متى رأى أنّ فيها مصلحة للحزب أو للشأن الكردي العام.
٢- التفاوض… صلاحية محدّدة بإرادة تنظيمية واضحة
على خلاف الحوار، فإنّ التفاوض على القضايا المصيرية—مثل الحقوق القومية الكردية المشروعة، أو مستقبل الإدارة الذاتية، أو الوضع السياسي العام في غرب كردستان (كردستان سوريا)، أو أيّ ملفّ يمسّ الوضع القانوني والوطني للشعب الكردي—ليس نشاطاً سياسياً عادياً يمكن لأيّ طرف أن يخوضه منفرداً.
التفاوض، بحكم طبيعته، يُنتج التزامات سياسية وقانونية، وقد يفضي إلى اتفاقات تصوغ ملامح المستقبل. ولهذا، فهو يتطلّب:
تفويضاً رسمياً، ففي الحالة الكردية في سوريا من الوفد الكردي المشترك أو من مجمل الحركة السياسية الكردية العليا. وهذا يفرض أن تكون هناك في سوريا مرجعية سياسية قانونية واضحة تحدّد الخطوط الحمراء، وحدود الصلاحية، ومجالات المناورة.
وآلية مساءلة داخلية تضمن أنّ المفاوض يمثّل موقف الجماعة لا اجتهاده الشخصي. وبهذا الإطار، يصبح أيّ تفاوض يجري خارج التفويض الرسمي غير ملزم وخارج الشرعية التنظيمية، بل وربما يشكّل خطراً حقيقياً على وحدة الصفّ والموقف الكردي، ويتيح للأطراف الأخرى استغلال التباينات الداخلية.
٣- بين التعددية والالتزام… كيف نحمي وحدة القرار؟
التعددية داخل الحركة السياسية الكردية، بالرغم من أنّها تعددية مفرطة، فهي ليست مشكلة، بل تبقى مصدر غنى سياسي إذا أُحسن التصرف في هذا الجانب بالشكل الصحيح.
تعدّد وجهات النظر في الحوارات يساعد على بلورة أفكار جديدة ويمنح المرونة في التواصل مع مختلف الشركاء.
إلّا أنّ التفاوض غير الموحّد يتحوّل إلى نقطة ضعف قد تُستغلّ لتفتيت الصفّ والموقف الكردي وإضعاف الحقوق القومية المشروعة.
لذلك، فإنّ الحلّ لا يكون بمنع الأحزاب والقيادات والمستقلين من الحوار، بل بتنظيم الأدوار بوضوح بين مَن يحاور ومَن يفاوض:
تحديد قنوات رسمية للتفاوض (الوفد الكردي المشترك) تتسم بالمهنية والشرعية.
ضمان التزام الجميع بالقرارات الجماعية (الرؤية السياسية المشتركة نموذجاً) مهما تعددت الآراء.
٤- الأساس القانوني والتنظيمي لهذا المبدأ
يمكن تعزيز هذا المبدأ، وهذا ما أفضّله وأؤكد عليه، من خلال:
النصّ عليه في النظام الداخلي أو الشروط التي وُضعت للوفد الكردي المشترك أو للأحزاب وفي وثائق الائتلافات (المجلس الكردي – الإدارة الذاتية – الوفد الكردي المشترك).
إصدار تعليمات أو لوائح تنظيمية تحظر على أيّ عضو إجراء مفاوضات دون تكليف مكتوب.
اعتماد مبدأ التفويض المحدد زمنياً وموضوعياً بحيث يُعرف بدقّة ما الذي يحقّ للمفاوض مناقشته.
إقرار آلية محاسبة في حال خُرق هذا المبدأ بما يضرّ بالمصلحة القومية الكردية العليا.
بهذه الإجراءات يصبح التمييز واضحاً بين عمل سياسي ميداني مفتوح (الحوار)، وبين عمل سياسي استراتيجي عالي الحساسية يمسّ مصير الشعب (التفاوض).
٥- نحو ثقافة سياسية جديدة
إنّ الالتزام بهذا المبدأ ليس مجرد مسألة تنظيمية، بل خطوة نحو بناء ثقافة سياسية ناضجة تعزّز الثقة بين الأحزاب والأطر السياسية للحركة الكردية في سوريا، وتمنع التداخل بين الاجتهاد الشخصي والصلاحية الرسمية، وتؤسّس لعمل سياسي أكثر انسجاماً وقدرة على التأثير في مسارات الحلول.
وبالتالي، فالحوار حقٌّ مشروع لكلّ حزب وقيادي ومستقلّ كردي، وهو بوابة للتواصل والتقارب وتبادل الرؤى.
أمّا التفاوض على القضايا المصيرية للشعب الكردي في سوريا، فهو مسؤولية جماعية لا تُناط إلّا بمَن مُنح التفويض والشرعية.
الفصل بين الحقّين ليس تقييداً لأحد، بل هو ضمانة لوحدة القرار السياسي الكردي وحماية للمصلحة القومية الكردية العليا والأمن القومي الكردي العام.
وإلى مستقبل أفضل
ألمانيا في ٤/١٢/٢٠٢٥

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…