الهوية الكردية

صبحي دقوري

تعيش الهوية الكردية في واحدة من أكثر الجغرافيات الفكرية تعقيدًا؛

هويّة بلا دولة، ولغة مُجزّأة، وتاريخٌ سياسي متشظٍّ، وسردية متنازَع عليها بين أربع دول وأنظمة متباينة.

هذا الوضع لا يمكن فهمه بالسرديات التقليدية التي تبحث عن “أصل” ثابت أو “جوهر” قومي،

بل يحتاج إلى عدسة فلسفية جديدة تكشف كيف تتشكّل الهوية عبر اللغة

وكيف تُعاد صياغتها تحت ضغط السلطة من هنا، يهدف هذا المقال إلى بناء رؤية تركيبية توحّد بين التحليل اللغوي التفكيكي،

والتحليل التاريخي–السياسي الجينيالوجي، لفهم تشكّل الهوية الكردية

بوصفها نتاجًا لغويًا–سلطويًا لا مجرد “حقيقة قومية” ثابتة.

 

 

أولًا: الإشكالية – هوية تتكوّن في غياب الدولة

 

الهوية القومية التقليدية تُبنى عادةً على ثلاث ركائز:

  1. الدولة
  2. اللغة الموحّدة
  3. السردية التاريخية الرسمية

 

لكنّ الحالة الكردية تكسر هذه المعايير الثلاثة دفعة واحدة؛

فلا دولة، ولا لغة موحّدة، ولا سردية رسمية، بل تعدد لغوي، وتعدد سياسي، وتعدد سردي.

 

وهنا يبرز سؤالان أساسيان:

  1. كيف تتشكّل هوية من دون دولة؟
  2. وكيف تبقى اللغة حية رغم قرون من القمع والتهميش؟

 

هذان السؤالان كلاهما يقودان إلى ضرورة تفكيك العلاقة بين الخطاب والسلطة.

 

اللغة بوصفها أثرًا وهويةً تتشكّل في الاختلاف

 

يقدم دريدا أدوات جوهرية لفهم الحالة الكردية:

  • الهوية ليست جوهرًا، بل أثر لغوي ينتج من اختلافات دائمة.
  • لا وجود لمعنى ثابت؛ كل هوية تُبنى عبر الإرجاء والاختلاف.
  • النص لا يستقرّ في مركز، بل في هامش يتحرك باستمرار.

 

وفق هذا المنظور، يمكن القول إن الهوية الكردية

هوية لغوية تتجدد عبر ما فقدته بقدر ما تتشكّل بما حفظته.

 

  1. منظور فوكو: السلطة بوصفها منتِجًا للخطاب والهوية

 

قدّم فوكو تصورًا جديدًا للسلطة:

  • السلطة ليست قمعًا فقط، بل إنتاجٌ للمعرفة.
  • الخطاب يُعيد صياغة ما يُعتبر “طبيعيًا” وما يُعتبر “شاذًا”.
  • التاريخ سلسلة من التحولات في أنظمة الحقيقة.

 

وبالعودة إلى الواقع الكردي، نرى أن السلطة الإقليمية

(تركيا، إيران، العراق، سوريا)

مارست شكلين من السلطة:

  • سلطة المنع: حظر اللغة، تغيير أسماء المدن، إنكار الوجود.
  • سلطة الإنتاج: إنتاج سرديات “الاضمحلال”، “القبلية”، “التهديد”.

 

وبهذا المعنى، فالهوية الكردية ليست فقط ضحية سلطة،

بل نتاج صراع طويل مع السلطة.

 

 

ثالثًا: التحليل التركيبي – الهوية الكردية بين اللغة والسلطة

 

  1. اللغة الكردية: أثرٌ يتجاوز المنع

 

تعرضت اللغة الكردية لقرون من الحظر والتهميش.

لكن على طريقة دريدا، الغياب يصبح حضورًا آخر:

فالمنع لم يُلغِ اللغة، بل جعلها:

  • أكثر شاعرية،
  • أكثر رمزية،
  • وأكثر قدرة على حمل ذاكرة جماعية مقاومة للاندثار.

 

إن اللغة الكردية اليوم ليست مجرد وسيلة تواصل،

بل أرشيف للنجاة.

 

  1. السلطة: من المنع إلى إنتاج صورة جديدة عن الكردي

 

وفق منظور فوكو، السلطة لا تكتفي بالقمع؛

إنها تصنع “صورة الكردي” ضمن خطابها السياسي:

  • الكردي بوصفه تهديدًا.
  • الكردي بوصفه قابلًا للإنكار.
  • الكردي بوصفه تابعًا أو “أقلية”.

 

هذا الخطاب أنتج “حقيقة سياسية” استمرت عقودًا.

لكن هذه الحقيقة ليست نهائية؛

فكما يعلّمنا فوكو، كل خطاب يحمل بذرة نهايته.

 

  1. كيف تتشكّل الهوية الكردية في هذا التقاطع؟

 

تتشكل الهوية الكردية في منطقة وسطى

لا هي لغوية خالصة كما لدى دريدا،

ولا هي سلطوية خالصة كما لدى فوكو.

 

بل هي هوية:

  • تنتجها اللغة حين تُقاوِم المنع،
  • وتنتجها السلطة حين تُعيد صياغة شكل المقاومة،
  • وتتجدد عبر صراع لا يصل إلى نهايته.

 

هكذا تصبح الهوية الكردية نصًّا يُعاد كتابته

كلما حاولت السلطة محوه.

 

 

رابعًا: نحو مفهوم جديد للهوية الكردية

 

  1. الهوية الكردية ليست “أصلًا”، بل أثر متحوّل

 

دريدا يجعلنا ندرك أن “الأصل” ليس حقيقة ثابتة،

بل بناء لغوي يتغيّر مع التاريخ.

 

وهذا ينطبق تمامًا على الهوية الكردية،

التي تتجدّد عبر:

  • الشعر،
  • الأغنية،
  • السرد الشعبي،
  • المقاومة،
  • الشتات،
  • واستعادة الذاكرة.

 

  1. الدولة ليست شرط الهوية

 

فوكو يثبت أن السلطة ليست محصورة بالدولة،

وبالتالي، الهوية ليست رهينة وجود الدولة.

 

الكردي لم يفقد هويته حين فقد دولته؛

بل ولدت هويّة جديدة تعتمد على:

  • اللغة،
  • الذاكرة،
  • السردية المشتركة،
  • الشعور بالمصير الجماعي.

 

  1. اللغة والسلطة تصنعان معًا “الشعب”

 

لا يمكن تفسير الهوية الكردية عبر اللغة وحدها،

ولا عبر السياسة وحدها.

 

بل هي نتيجة تفاعل جدلي بين:

  • المنع ↔ المقاومة
  • النسيان ↔ التذكّر
  • القمع ↔ السرد

 

وهذا ما يجعل الشعب الكردي واحدًا رغم الانقسام الجغرافي.

 

إن النظر إلى الهوية الكردية في ضوء دريدا وفوكو

يكشف أنها ليست مجرد تاريخ ولا جغرافيا،

بل شبكة من الخطابات والآثار والممارسات

تتشكل باستمرار في مواجهة سلطة تحاول ضبطها أو إنكارها.

 

وبهذا المعنى،

لا يمكن فهم الهوية الكردية من دون فهم اللغة التي تنسجها،

ولا فهم هذه اللغة من دون إدراك السلطة التي تحاصرها.

 

إنها هوية تتكوّن في المسافة

التي يلتقي فيها الهامش باللغة، والذاكرة بالسلطة، والانتماء بالسرد.

 

وبذلك، يصبح السؤال الكردي

ليس سؤال “وجود سياسي”،

بل سؤال سردي–لغوي يكتب ذاته عبر الزمن، رغم كل محاولات المحو

 

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…