الهوية السورية بين تفكّك الخطاب الوطني وصعود الهواجس الطائفية

ياسر بادلي

تشهد الساحة السورية اليوم انفجارًا متسارعًا في الخطاب الطائفي، لم يعد يُختزل في كونه انعكاسًا لحالة الانقسام السياسي، بل تحوّل إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي العام، ودفع المكوّنات الاجتماعية إلى الاصطفاف داخل مربّعات ضيقة تُدار بالخوف بدل الشراكة. وهذا الخطاب، الموجَّه في كثير من الأحيان نحو الأكراد والدروز والعلويين، لا ينبع من خلافات جوهرية بقدر ما يعتمد على صناعة مخاوف مصطنعة، تُحوِّل الاختلاف إلى تهديد، والتنوّع إلى عبء، وتدفع السوريين إلى الاحتماء بالهويات الثانوية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
ومع استمرار حكومة “الشرع المؤقتة” في تبنّي نهجٍ يُعمّق الشرخ بدل رأبه، تتسع الهوّة بين المكوّنات السورية، فيجد الأفراد أنفسهم أمام خيار اللجوء إلى الرموز الطائفية والمناطقية، لا طلبًا للصدام، بل بحثًا عن الأمان. وفي هذا السياق برزت شخصيات مثل غازي غزال غزال وحكمت الهجري نتيجة اللحظة السياسية المضطربة، فيما اكتسب مظلوم عبدي حضورًا لافتًا واحترامًا دوليًا بفضل دوره في مواجهة الإرهاب وتصدّيه للتنظيمات المتطرفة على مدى أربعة عشر عامًا، ما جعله لدى الكثير من الأكراد رمزًا للدفاع عن الحقوق وضمان أمن المكوّنات ضمن نطاق نفوذه. صعود هذه الشخصيات ليس حدثًا منفصلًا، بل نتيجة طبيعية لبيئة إعلامية وسياسية محتقنة يقودها محللون وفاعلون مقرّبون من الرئيس الشرع، ممن اختاروا تعميق الاصطفافات على حساب بناء الثقة وصياغة مشروع وطني جامع.
لقد بدأت الثورة السورية وهي تحمل حلم إنهاء الاستبداد وفتح الطريق أمام دولة مواطنة عادلة، لكنها تجد نفسها اليوم في مواجهة سؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن منع إعادة تدوير العقلية ذاتها التي ثار السوريون عليها؟ وكيف يمكن حماية مشروع التحرر من الانزلاق نحو إعادة إنتاج أنماط التفكير التي كبّلت البلاد لعقود؟
إن المشكلة ليست في الطوائف، بل في البنية التي تجعل من الهوية سلاحًا في الصراع بدل أن تكون إطارًا للتلاقي. فالتعددية لم تكن يومًا عبئًا على سوريا؛ هي قوة حقيقية جرى تعطيلها لصالح سرديات أحادية تُقصي المختلف وتُضعف المجتمع. وما يحتاجه السوريون اليوم هو مشروع وطني عابر للانقسامات، يؤسس لدولة برلمانية ديمقراطية لا مركزية، تُعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة، وتُرمّم الثقة بين الدولة والمواطن، وبين المكوّنات فيما بينها.
إن إعادة بناء دولة قادرة على النهوض لا يتحقق بتغيير الوجوه، بل بتغيير المنظومة التي تُنتج خطاب التخوين والإقصاء. دولة تعلي من شأن القانون، وتصغي لهواجس مواطنيها، وتدرك أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة فقط، بل بالعدالة والشفافية والمشاركة الفعلية.
ورغم قتامة المشهد، يبقى الأمل ممكنًا. فقد أثبت السوريون، على مرّ السنين، قدرتهم على تجاوز الفتن كلما توفرت قيادة مسؤولة ومشروع يجمع ولا يفرّق. وما دام هناك من يؤمن بأن المستقبل لا يُبنى على أنقاض الثقة، فإن استعادة الوطن تظل هدفًا قابلًا للتحقق مهما اشتدت العواصف.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…