مسعود بارزاني في بوتان: حين يلتقي التاريخ بالهوية، والسياسة بالسلام

خالد حسو

في هذا الأسبوع، لم تكن زيارة الزعيم الكُوردي مسعود بارزاني إلى تركيا حدثاً عابراً في روزنامة السياسة الإقليمية، بل جاءت محطةً تاريخيةً كثيفة المعاني، أعادت إحياء الذاكرة الكُوردية، وحرّكت المياه الراكدة في مشهدٍ بالغ الحساسية، وربطت الماضي العميق بالحاضر المتحوّل، برؤية رجلٍ حمل همّ القضية الكُوردية لعقود، وأجاد الإمساك بخيوط التوازن بين الكرامة القومية والحكمة السياسية.

عودة واعية إلى الجذور: بوتان ذاكرةً حيّة للأمة

لم يكن اختيار جزيرة بوتان صدفة، ولا مجرّد مشاركة في فعالية ثقافية. فبوتان، بتاريخها الممتد، تمثّل إحدى العواصم الروحية لكُوردستان الشمالية، وذاكرةً حيّة لهويةٍ قاومت طويلاً محاولات الطمس والتهميش. وحين وطئت قدم بارزاني أرضها، بدا المشهد وكأنه عودة مقصودة إلى قلب التاريخ الكُوردي، ورسالة واضحة بأن هذه المدن ليست هوامش منسية، بل مراكز أصيلة في الوعي القومي والحضاري.

الثقافة بوصفها مقاومة راقية

وقوفه عند ضريح الشاعر والفقيه الكبير ملاي جزيري لم يكن مجرد وفاءٍ لرمزٍ أدبي، بل تجديد عهدٍ مع مدرسة فكرية ربطت الشعر بالحرية، والعشق بالكرامة، واللغة بالوجود. كما حملت رمزية ملحمة “مم وزين” بعداً يتجاوز الحكاية العاطفية، لتغدو إعلاناً ثقافياً عن وحدة الروح الكُوردية العابرة للحدود المصطنعة، وتأكيداً على أن الهوية لا تُختزل بالجغرافيا السياسية.

الاستقبال الشعبي: شرعية المكانة ومكانة الشرعية

مشاهد الاستقبال الجماهيري الحافل عبّرت بصدقٍ عن موقع مسعود بارزاني في قلوب الناس. فلم ترَ فيه الجماهير ضيفاً رسمياً أو سياسياً عابراً، بل رمزاً لمسيرة طويلة من الكفاح، وامتداداً لنهجٍ قيادي تشكّل عبر الثورات والمنافي والتضحيات، واستمرّ حتى بات عنواناً للثبات والاتزان.

ولم يكن هذا الاستقبال مجرد مظاهر ترحيب، بل تعبيراً عميقاً عن علاقة وجدانية بين قائدٍ وشعبه، وعن حضور مرجعية كُورديةٍ جامعة، ظلّ همّها الأول والأخير الإنسان الكُوردي وكرامته. استُقبل بارزاني بصدورٍ مفتوحة وقلوبٍ نابضة، باعتباره صوتاً تاريخياً دافع عن حقّ الشعب الكُوردي في تقرير مصيره، وسعى – وما زال – إلى أن تنال الأمة الكُوردية حقّها المشروع في الحرية والعيش الكريم، أسوةً بسائر شعوب وأمم العالم. في تلك اللحظات، كان الاستقبال رسالةً صامتة لكنها بليغة، بأن الزعامة الحقيقية يصنعها الإخلاص للقضية، لا المناصب العابرة.

رجل المحطات الكبرى: قراءة في المسيرة

عند التوقّف أمام سيرة مسعود بارزاني، نجد أنفسنا أمام قائدٍ صقلته المحن قبل المناصب. من سنوات الكفاح الشاق، إلى إدارة إقليم كُوردستان في ظل الحصار والحروب، وصولاً إلى ترسيخ تجربة سياسية جعلت من الإقليم واحة استقرار نسبي في منطقة تعجّ بالأزمات؛ في كل هذه المحطات، اتّسم نهجه بتحويل القوة إلى أداة تفاوض، والانتصار إلى فرصة سياسية، والانفعال إلى حسابٍ عقلاني بعيد النظر.

الدبلوماسية بوصفها امتداداً للأخلاق السياسية

في زيارته هذه، أعاد بارزاني التأكيد على قناعته الراسخة بأن السلام ليس تنازلاً عن الحقوق، بل شكلاً أرقى من الدفاع عنها. إن امتلاك إقليم كُوردستان لعلاقات متوازنة مع أنقرة، والعواصم الغربية، ومحيطه الإقليمي، وضع بارزاني في موقع القادر على لعب دور الوسيط الصادق، الساعي إلى إعادة القضية الكُوردية في تركيا إلى مسارها السياسي، بعيداً عن دوّامات الدم والاستنزاف.

رسالة إلى الداخل الكُوردي قبل الخارج

حملت الزيارة، في مضمونها العميق، رسالة واضحة للكُورد أنفسهم، مفادها أن وحدة الصف، وتغليب خيار السلام، واستثمار التحولات الدولية بوعيٍ وحكمة، هي مفاتيح المرحلة القادمة. فالتاريخ، كما يقرؤه بارزاني، لا يكافئ من يكرّر أخطاءه، بل يفتح أبوابه لمن يتعلّم منها، ويحوّل التجربة إلى وعيٍ جديد.

البعد الإقليمي والأمني: واقعية تحمي الثوابت

لا تنفصل هذه الزيارة عن سياقٍ إقليمي معقّد تتقاطع فيه ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد. فتعميق الشراكة بين إقليم كُوردستان وتركيا يمثّل ركيزة أساسية في حماية مكتسبات الإقليم، ومواجهة التحديات المتصاعدة، دون التفريط بالثوابت القومية. وهنا تبرز براغماتية بارزاني كاستراتيجية حماية للمشروع القومي، لا بديلاً عن مبادئه.

خاتمة وجدانية وتاريخية

إن زيارة مسعود بارزاني إلى بوتان ليست مجرد صفحة جديدة في سجلّ نشاطه السياسي، بل فصلٌ مكثّف من سيرة قائدٍ اختار أن يكون جسراً لا جداراً، وذاكرةً حيّة لا خطاباً مؤقتاً. زيارة أعادت الاعتبار للثقافة الكُوردية بوصفها أساس الهوية، وأكدت أن الزعامة الحقيقية تُقاس بقدرتها على الجمع بين الحكمة والكرامة، وبين العقل والقلب.

وبكل الحب والاحترام والتقدير، يمكن القول إن مسعود بارزاني لم يزر بوتان وحده، بل حمل معه تاريخ شعبٍ بأكمله، ووجع أمة، وأملاً صادقاً بأن الغد، مهما اشتدت تحدياته، يمكن أن يُصنع بسياسةٍ عاقلة وإرادةٍ مؤمنة بالسلام والحرية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…