في زمن العفن المقدّس

د. محمود عباس

في سوريا المنهكة، حيث تراكمت الأوهام فوق العقول حتى صارت أثقل من الجبال، لم يعد المشهد يحتمل تزيينًا ولا لغة مجاملات. بات حمل صندوق ماسح الأدمغة فعل إدانة سافر، صادمًا إلى حدّ الفضيحة، إذ هناك من يُجبر اليوم على تنظيف ما حوّلته قرون من الاستبداد والعنصرية والتكفير إلى عفنٍ مزمن في الرؤوس، بعد أن صارت العقول مكبّات أيديولوجية عاجزة عن التمييز بين الجريمة والعقيدة، وبين الطاغية والقداسة.

يُصرّون على تقديم صورة الكوردي وهو يحمل صندوق ماسح الأحذية، لكن الحقيقة الفجّة أنّه صندوق ماسح الأدمغة. غير أنّ غباءهم البنيوي يحول دون إدراك الفارق، لأن من نشأ بعقلٍ متّسخ لا يفرّق أصلًا بين حذائه ودماغه. فالعقول التي استأنست بالقذارة الفكرية لم تعد ترى الإهانة في تفسّخها، بل فيمن يفضحها ويحاول تنظيفها، ولهذا يختلط عليهم الرمز وتضيع الحقيقة في وحل عجزهم.

المسألة هنا ليست تنظيف أحذية، بل تنظيف عقول تحوّلت إلى مستودعات للبعث، وللفاشية الدينية، وللغرائز البدائية التي ارتدت أقنعة العقيدة والقومية. وهذا ليس تجريحًا ولا تهكّمًا، بل تشخيصًا قاسيًا لواقعٍ وُلد مريضًا، وأُدير طويلًا بعقول متعفّنة، حتى صار الخراب فيه بنية ذهنية لا عارضًا سياسيًا.

هذا الدور لم يسقط من السماء، بل هو امتدادٌ لتاريخ طويل. فالكورد لم يكونوا عابرين في مسار الشرق ولا طارئين على حضارته أو على الإسلام نفسه. منذ اللحظة التي دخل فيها الإسلام هذه الجغرافيا، كان الكورد في مقدّمة حمايته وتوسّعه، لا بوصفهم أدوات غزو، بل بناة دولة وحملة فكرة. عسكريًا، لم يُحرَّر الشرق من الحروب الصليبية ولا من التفكك الداخلي إلا بسواعد قادة كورد أعادوا للإقليم توازنه وقوّته، وسياسيًا، لم يُصَن الكيان الإسلامي ولا استمر إلا عبر نظمٍ وإداراتٍ أسهم الكورد في تشييدها، ثقافيًا وفكريًا، لم تكن مدارس الفقه والفلسفة واللغة بعيدة عن العقول الكوردية التي اشتغلت بصمت على إنتاج المعرفة وتثبيت أسسها.

لكن المأساة أنّ الشرق لم يتعلّم من تاريخه. فحين سقط في العصر الحديث في قبضة أنظمة بعثية وتكفيرية وعنصرية، لم يكتفِ هؤلاء بتدمير الدول، بل دمّروا الإنسان من الداخل، صياغةً وتفكيرًا. أنتجوا أدمغةً مشلولة، تقدّس الطغاة، وتكفّر المختلف، وتعيش على أساطير السوق السياسي والديني. وهنا، مرة أخرى، وجد الكورد أنفسهم في قلب معركة لا تخصّهم وحدهم، لكنها فُرضت عليهم: معركة تشذيب هذا العقل المريض، وكشف عُريه، وتنظيفه من الأوساخ المتراكمة باسم العروبة، وباسم الأمة، وباسم الدين.

اليوم، لا يظهر الكورد في هيئة المُنقذ المتعالي ولا في صورة الواعظ الأخلاقي، بل في موقعٍ أشدّ قسوة وإيلامًا: موقع ماسح أدمغةٍ متراكمة القذارة. يحملون صندوقهم لا لمسح الأحذية، بل لغسل ما تعفّن في الرؤوس، وتنظيف ما لوّثته قرون من الاستبداد والتكفير والعنصرية. إنها واحدة من أخطر المهمات في تاريخ الشرق: إعادة تأهيل الوعي، تعرية الخرافة، وتحطيم بنية تفكير جعلت من الطغيان قدرًا محتومًا، ومن الجريمة نظام حكم. مهمة جارحة، ومهينة حتمًا لمن يرفض الاعتراف بمرضه، لكنها ضرورة تاريخية لا مفرّ منها. فلا نهضة بلا عقل سليم، ولا مستقبل بلا دماغ نظيف، ولا خلاص لمنطقة ما تزال تُدار بعقول تُركت قرونًا في العتمة حتى تحوّلت إلى مستنقع للأوبئة الفكرية.

من هنا، فإن ما يقدّمه الكورد اليوم ليس جديدًا في جوهره، بل استمرار لدورٍ قديم، حماية سوريا من نفسه، وإنقاذه، مرة بالسيف، ومرة بالدولة، ومرة بالفكرة، ومرّة، وهذا هو الأصعب، بتنظيف ما أفسدته الأنظمة والعقائد في أعماق العقول. قد لا تُشكر هذه المهمة، وقد يرى البعض صندوق مسح الأحذية وضيعة، لكنها في الحقيقة صندوق لمسح الأدمغة، فكما علمنا التاريخ، مهمة لا ينهض بها إلا من تعوّد أن يدفع الثمن حين يعجز الآخرون عن مواجهة حقيقتهم.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

28/11/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…