السلطة وصناعة الانقسام: دروس من سوريا وتركيا

ادريس عمر

السلطة وصناعة الوعي: كيف تبني الدول أو تهدم المجتمعات؟

تلعب السلطة في أي دولة دوراً جوهرياً في صياغة الخطاب العام وتوجيه وعي المجتمع، ولا يمكن فصل استقرار الدول عن طبيعة السياسات والخطابات التي تتبناها الأنظمة الحاكمة. فالمجتمع، مهما كان تعددياً أو متنوعاً، يبقى قابلاً للتعايش والانسجام إذا توفر له إطار سياسي عادل ومشروع وطني جامع، وعرضة للانقسام والصراع إذا فشلت السلطة في إدارة التنوع أو أساءت استخدامه.

أولاً: السلطة كموجه رئيسي للسلوك الاجتماعي

لا يمكن تحميل الشعوب وحدها مسؤولية التوترات الاجتماعية أو الانقسامات القومية والطائفية. فالسلطة تمتلك الأدوات الأكبر للتأثير، من منابر إعلامية وتعليمية، إلى التشريعات، إلى الأمن، إلى توزيع الفرص والموارد. وعندما تفضّل السلطة مكوّناً على آخر أو تستخدم خطاباً يميز بين القوميات والطوائف، فهي عملياً تقوم بـ هندسة الانقسام داخل المجتمع.

وحين تستغل السلطة نفوذها في تعميم الفساد والمحسوبية والرشوة، فإنها لا تدمّر المؤسسات فحسب، بل تفسد الضمير العام وتشيع ثقافة الانتهازية على حساب المواطنة.

ثانياً: القانون باعتباره حجر الأساس في بناء الدولة

الدولة الحديثة لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بإطار قانوني عادل يُطبق على الجميع بلا استثناء. حين يصبح القانون فوق المواطن العادي وأسفل المسؤول الفاسد، تنهار فكرة الدولة نفسها، ويتحوّل المجتمع إلى ساحة صراع نفوذ، وليس فضاءً للتعايش والإنتاج.

ولذلك، فإن فرض سيادة القانون على الجميع دون تمييز- بغض النظر عن القومية أو الطائفة أو المذهب أو الانتماء السياسي-هو الركيزة الأساسية التي تمنع الدول من الانزلاق إلى الحروب الداخلية.

ثالثاً: سوريا نموذج لانهيار الخطاب الوطني

ما يجري في سوريا مثال صارخ على الكيفية التي تتحول فيها السلطة من عنصر استقرار إلى عنصر تفجير داخلي.

فعندما يتحول خطاب الدولة إلى خطاب إقصائي، ويُفقد الناس الشعور بالمواطنة المتساوية، يصبح الاختلاف خطراً، والتنوع سلاحاً، والهوية عبئاً، فتتفكك الروابط المجتمعية وتنهار بنية المجتمع لصالح الاصطفافات والانشقاقات.

الأزمة السورية تُظهر بوضوح أن السلطة حين لا تكون وطنية في خطابها وممارساتها، تُدخل البلاد في دوامات حروب وصراعات تهدد الأمن المجتمعي لعقود.(ماجرى في الساحل والسويداء، واهانة الكورد من خلال المظاهرات التي جرت منذ يومين احياءً لذكرى ردع العدوان).

رابعاً: تركيا بين خطابي الحرب والسلام

تقدّم تركيا مثالاً آخر يوضح دور السلطة في تغيير المزاج العام.

خلال سنوات “عملية السلام” بين الدولة التركية والحركة الكردية، شهد الشارع التركي تحوّلاً واضحاً في الخطاب:

-ازداد حضور خطاب الأخوة والتعايش

-ظهرت رغبة شعبية واسعة في إنهاء الحرب

-تراجع الخطاب القومي المتطرف لصالح لغة سياسية أكثر عقلانية

لكن في الفترات التي عادت فيها الدولة إلى خطاب التخوين ومحاربة الكرد، عاد الشارع تلقائياً إلى الخطاب القومي المتشنج

وهذا يُظهر أن الشعوب ليست معزولة عن خطاب السلطة، بل تتأثر به وتعيد إنتاجه.

خامساً: السلطة وبناء المجتمع المتحاب

يمكن للسلطة-عبر خطاب عقلاني ومسؤول- أن تخلق مساحات مشتركة بين المكونات المختلفة، وأن تعزز الثقة المتبادلة، وأن تجعل المواطنة الإطار الجامع للجميع..

كما يمكنها عبر سياسات رشيدة أن تبني مجتمعاً منسجماً يضع المسألة الوطنية فوق كل اعتبار، ويحترم التعدد، ويؤسس لعقد اجتماعي قائم على العدالة والمساواة.

الدول التي نجحت في تجاوز آلامها التاريخية لم تفعل ذلك بالعاطفة أو الصمت، بل من خلال رؤية سياسية ناضجة، واعتراف بالتنوع باعتباره ثراءً لا تهديداً، واعتماد القانون سيداً على الجميع.

خاتمة: كيف تُبنى الأوطان؟

الأوطان تُبنى عندما تكون السلطة مسؤولة في خطابها، عادلة في قوانينها، ونزيهة في ممارساتها، وعندما يكون المواطن شريكاً في.

مشروع وطني جامع، لا تابعاً في منظومة محاصصة أو فساد.

وحين تتوفر قيادة سياسية تعي أن الاستقرار الحقيقي لا يأتي بالقوة أو الاحتكار، بل بالعدالة والمساواة وإدارة التنوع بحكمة.

إن تجاوز الآلام التي مرت بها بلداننا ممكن، بل ضروري، لكنه يتطلب قبل كل شيء سلطة وطنية تُعيد الاعتبار للقانون، وتُعلّي قيمة الإنسان، وتؤمن أن الوطن أكبر من أي انتماء فرعي.

شارك المقال :

1 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
شيركوه عكيد
شيركوه عكيد
8 شهور

مقالة موضوعية بامتياز

اقرأ أيضاً ...

ماجد ع محمد إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…

صلاح بدرالدين قبل مائة عام بدأت معالم هذه المدينة بالظهور مع تواجد حامية الانتداب الفرنسي على التلة المقابلة لمدينة نصيبين – التركية – ووضع المهندسون الفرنسييون الخرائط ، واللبنة الأولى لبناء مدينة على نهر – جقجق – المتدفق من ينابيع وادي – بونصرا – قبل تغيير مجراه – في ولاية ماردين بكردستان تركيا . هناك في المنطقة الكردية السورية وأطرافها…

د . مرشد اليوسف تدخل قامشلو مئويتها الثانية وهي تحمل مئة عام من الذاكرة، بكل ما فيها من أفراح وأحزان، ونجاحات وإخفاقات، وتحولات سياسية واجتماعية تركت بصماتها على المدينة وأهلها. لكن قامشلو اليوم ليست قامشلو التي عرفناها قبل عقود. فقد أنهكتها سنوات الأزمة السورية، وأثقلت بنيتها التحتية، وتراجعت خدماتها، وفقدت بعضاً من ملامحها الجميلة. وليس من الإنصاف أن نحمّل…