بين خطاب الإهانة ومسؤولية بناء الدولة السورية الجديدة

شادي حاجي

مع انطلاق الحراك السوري بعد سقوط النظام، برزت إلى الواجهة أنماط جديدة من الخطاب السياسي المشحون بالتحامل والازدراء، لا سيما تجاه الكرد، حيث لجأ بعض الفاعلين في السلطة المؤقتة إلى استخدام توصيفات غير لائقة من قبيل “البويجية”. إن هذا النمط من الخطاب لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرّد انفعال عابر، بل هو مؤشر على خلل بنيوي وفراغ سياسي يتناقض بوضوح مع الشعارات والتصريحات المعلنة حول بناء دولة القانون.

 

الإهانة ليست بديلاً عن السياسة

 

إن اعتماد خطاب الإهانة القومية أو الدينية أو الطائفية يكشف غياب رؤية سياسية جادة. فالدول لا تُدار بخطابات الإقصاء، بل بمشاريع دستورية وبرامج حكم قادرة على إدارة التنوّع. ومن شأن إعادة إنتاج خطاب النظام السابق – القائم على نزع الشرعية عن مكونات كاملة من المجتمع – أن يقوّض أي محاولة لبناء سوريا جديدة قائمة على مبادئ المواطنة والمساواة أمام القانون.

 

احترام الكرامة ركيزة العقد الوطني

 

إن الانتقاص من المهن اليدوية أو من مكوّنات قومية واجتماعية بعينها يعكس ذهنية استعلائية تتنافى مع أسس المجتمع الديمقراطي. فالعمل، أياً كان نوعه، ليس مدعاة للانتقاص، والكرامة الإنسانية غير قابلة للتجزئة. كما أن الدور الوطني الذي اضطلع به الكرد في مقاومة الاستبداد وتحمّل تبعاته لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه. وإن تجاهل هذا الدور يعيد إنتاج الانقسام نفسه الذي طالما غذّاه النظام الساقط السابق.

 

القانون الدولي واضح في تجريم خطاب الكراهية

ينصّ القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على حظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية تشكّل تحريضاً على التمييز أو العداوة. وبالتالي، فإن أي إطار دستوري أو قانوني لسوريا المستقبل سيجد نفسه ملزماً بمنع استخدام الخطاب المسيء تجاه أي جماعة على أساس أصلها أو هويتها القومية، نظراً لما يمثّله ذلك من تهديد مباشر للسلم الأهلي وفتح الباب أمام ممارسات عنصرية تتعارض مع التزامات الدولة الناشئة.

سوريا الجديدة تحتاج إلى لغة جديدة

إن بناء دولة المواطنة المتساوية كما تَدعون إليها في خطاباتكم السياسية لا يمكن أن يتحقق دون التحول إلى لغة سياسية تعترف بجميع المكوّنات القومية والدينية والطائفية وتتعامل معها بوصفها شركاء متساوين في صياغة المستقبل. أما الإصرار على خطاب الإهانة، فهو يعكس انقطاعاً عن المشروع الوطني الجامع، ويغذّي الانقسام على حساب المصلحة العامة. وفي المقابل، فإن تبنّي خطاب تأسيسي يقوم على الاحترام المتبادل يفتح المجال أمام بناء دولة عادلة، مستقرة، وقابلة للحياة.

والى مستقبل أفضل

ألمانيا في 29/11/2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…

د. محمود عباس   الأمم الصغيرة ومكانتها في النظام العالمي الجديد.   لم يعد النظام العالمي الجديد حكرًا على الأمم الكبرى وحدها، ولا باتت المكانة الدولية تُمنح فقط لمن يملك المساحة الأوسع أو الجيوش الأضخم. فخلال العقود الأخيرة، أثبتت تجارب متعددة أن أممًا ودولًا صغيرة استطاعت أن تفرض لنفسها وزنًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، لا لأنها…