إيران .. من الإجبار إلى الحرية!

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

إن قضية الحجاب في إيران ليست مجرد موضوع ثقافي أو ديني؛ بل هي مرتبطة بشكل مباشر بالتاريخ السياسي للبلاد وتجربة عقود من نضال الشعب ضد “الديكتاتورية” و”الإجبار”. لقد تحول الحجاب، في كلا فترتي التاريخ الإيراني المعاصر، إلى أداة للسلطة؛ أداة استُخدمت مرة من أجل “فرض خلع الحجاب” ومرة أخرى من أجل “الإجبار على الحجاب”. وفي خضم ذلك، أصبح النضال من أجل “حرية الملبس” واحداً من أبرز رموز المقاومة ضد أي شكل من أشكال الهيمنة.

بشكل عام، يمكن تحديد ثلاثة تيارات رئيسية في مواجهة موضوع “الحجاب” في إيران. هذه التيارات لا تختلف في مواقفها السياسية فحسب، بل تختلف أيضاً في نظرتها إلى الحقوق الفردية، ومكانة الأفراد، وتحديداً “المرأة” في المجتمع، ومفهوم الحرية.

 

١. التيار الأول: المدافعون عن سياسات الإجبار في عهد بهلوي

في السنوات الأخيرة من العقد 1300 (الهجري الشمسي)، فُرضت سياسة “كشف الحجاب” من قبل رضا شاه كأمر حكومي، وليس كخيار اجتماعي. هذا الإجراء، الذي نُفِّذ ظاهرياً تحت شعار “التحديث”، تحول عملياً إلى أحد الأمثلة البارزة لتدخل الدولة في الحياة الخاصة للناس.

تُظهر العديد من الأدلة التاريخية (مذكرات نساء تلك الفترة، وثائق حكومية، وتقارير علماء الاجتماع) أن العديد من النساء أُجبرن على خلع الحجاب بالقوة أو التهديد أو الضغط الاجتماعي.

غالباً ما يعرّف المدافعون عن هذا التوجه، سواء في تلك الفترة أو اليوم، الحرية في قالب أحادي الجانب: “التحديث الإجباري”. لكن الحرية المفروضة تحمل تناقضاً في جوهرها. فالإجبار على خلع الحجاب، ينتهك الحرية بالقدر نفسه الذي ينتهكها الإجبار على ارتدائه.

 

٢. التيار الثاني: مؤيدو الإجبار الحكومي على الحجاب

مع ثورة 1979، دخلت إيران مرحلة مختلفة، ولكنها مشابهة للماضي من حيث المقاربة تجاه الحجاب؛ مع فارق أن “ارتداء” الحجاب أصبح هذه المرة هو “القانون الإلزامي”. منذ عام 1980 فصاعداً، تحول الحجاب الإجباري إلى أحد ركائز السياسات الثقافية للنظام الموصوف بـ “الإسلامي”.

تُظهر القوانين الجنائية، ودوريات مراقبة الزي، والمواجهات الأمنية، والحرمان الإداري والجامعي، والهياكل الرقابية الواسعة، تحوُّل الحجاب إلى “أداة للرقابة الاجتماعية”.

هذا التيار، مثل التيار الأول، يعرّف الحرية من زاوية الإجبار، مع فارق أن الإجبار هذه المرة يُبرر بتفسير خاص للدين والأخلاق. لقد كانت النساء الضحية الكبرى لهذا التوجه، وتحوّل الحجاب من اختيار فردي إلى رمز للسلطة السياسية.

تجدر الإشارة إلى أن الحجاب الإجباري لم يقتصر على تقييد النساء فقط. فمنع بعض أشكال اللباس للرجال، والرقابة على تسريحات الشعر، والتدقيق في مظهرهم العام، كانت أيضاً جزءاً من سياسة السيطرة ذاتها. ولذلك، فإن قضية حرية الملبس في إيران ليست مقتصرة على جنس دون آخر، على الرغم من أن آثارها على النساء كانت أشد بكثير.

٣. التيار الثالث: المدافعون عن حرية الاختيار؛ مقاربة شعبية ديمقراطية

في النقطة المقابلة لهذين التيارين، تقف مجموعات وأفراد تبنوا “المبدأ الأساسي للحرية”. يجب أن يكون الإنسان حراً في أن يرتدي أو لا يرتدي. ووفقاً لهذه النظرة، لا يحق للدولة ولا لأي تيار سياسي فرض اللباس؛ لأن اختيار الملبس، شأنه شأن اختيار نمط الحياة أو المعتقد الديني، هو جزء من الحقوق الأساسية للإنسان.

يُشاهد هذا التوجه اليوم بين قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني، بدءاً من نشطاء حقوق المرأة وصولاً إلى القوى السياسية المعارضة للديكتاتورية، ومن جيل الشباب إلى الأشخاص الذين مروا بتجارب عقود مختلفة. كما تُظهر الدراسات الاجتماعية واستطلاعات الرأي في السنوات الأخيرة أن غالبية المواطنين الإيرانيين، رجالاً ونساءً، يكرهون الإجبار (سواء على ارتداء الحجاب أو على خلعه) ويعتبرون “حرية الملبس” معياراً مهماً للمجتمع الديمقراطي.

هذا التيار، على عكس التيارين الآخرين، لا يرتبط بماضي عهد بهلوي ولا بإجبار النظام الموصوف بـ “الإسلامي”. بل يقوم مبدأه على حقوق الإنسان، والاختيار الفردي، واستقلالية الإنسان في نمط حياته.

 

أي مسار سيصنع مستقبل إيران؟

تبدو حرية الملبس ظاهرياً موضوعاً يتعلق باللباس، لكنها في عمقها ترتبط مباشرة بأساس الديمقراطية. إن المجتمع الذي لا يستطيع السماح لمواطنيه بالاختيار في أبسط الأمور الشخصية (الملبس) لا يمكنه أن يدّعي توفير حريات أكبر. لقد أظهرت التجربة التاريخية في إيران أنه كلما تدخلت الحكومة في اللباس، كانت تخطو خطوة نحو الاستبداد، وليس التقدم.

من ناحية أخرى، فإن أولئك الذين يطالبون اليوم بشعار “الإزالة الكاملة للحجاب”، على الرغم من أن ذلك قد يكون نابعاً من معارضة للنظام الموصوف بـ “الإسلامي”، إلا أنهم عملياً يسيرون في نفس مسار الإجبار. الحرية تعني الاختيار—وهو اختيار يمكن أن يؤدي إلى ارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه، وليس وصفة موحدة للجميع.

في النهاية، يتوقف مستقبل إيران على قبول هذا المبدأ البسيط والأساسي:

حرية الملبس هي حق للجميع (للنساء والرجال). لا يمكن لأي مجتمع أن يرتكز على الديمقراطية والكرامة الإنسانية والتقدم الاجتماعي دون احترام هذا الحق.

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

 

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…