في سوريا الحرية جريمة

د. محمود عباس

في سوريا، من لا يطالب بالنظام الفيدرالي واللامركزية السياسية، لا يخرج عن ثلاث حالات،

 إمّا يطمح إلى الاستبداد،

 أو اعتاد العيش في الخضوع والذل حتى صار الحرّ عبئًا عليه،

 أو هو جاهلٌ ساذج لا يميّز بين معنى الحرية وحقيقة العبودية.

على مدى أكثر من سبعين عامًا، عاشت البلاد تحت معادلة واحدة تتكرّر بأقنعة مختلفة، مكوّن يُظلم مكوّنات أخرى، مكوّنٌ يسود، والبقية تُستعبد وتُرغَم على الخضوع للطاغية. لم تكن سوريا يومًا ساحة مواطنة متساوية، بل مسرحًا دائمًا للتناقض بين الظالم والمظلوم، بين الطاغية والعبد، بين المكوّن الحاكم والمكوّنات التابعة المجرّدة من الكرامة.

عشنا في ظل سيادة واستبداد نظام ارتكز على المكوّن العلوي، وقبله سيادة سنّية لم تُنتج عدلًا ولا دولة، واليوم نشهد عودةً أكثر فجاجة لسيادة التنظيمات التكفيرية، المستندة إلى أبشع ما أفرزته العقلية الإقصائية من داخل المكوّن السنّي ذاته. تبدّلت الوجوه، لكن منطق السلطة واحد: سيّدٌ يتبدّل، وعبودية لا تغادر.

عمليًا، لم يُعرف في سوريا حرٌّ دون أن يُقابله طاغية. كل من طالب بالحرية اتُّهم، وخُوِّن، ثم ذُبح أو سُجن أو نُفي أو هُجِّر. وفي كل هذه المراحل، كان الشعب الكوردي هو الثابت في معادلة الظلم؛ هُضِمت حقوقه، واستُعبد، واُستُخدم كموالي وتابع، قُتل وشُرِّد وسُجن وهُجّر، وتُعامل معه وكأنه كائن خارج هذا الكوكب، لا تاريخ له ولا حق ولا وطن.

ولهذا، ليست الفيدرالية ترفًا سياسيًا، ولا اللامركزية نزوة أيديولوجية، بل شرطًا أخلاقيًا لولادة سوريا مختلفة… سوريا لا تقوم على سيادة مكوّن، بل على كرامة الجميع، أو لا تقوم أصلًا.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

26/11/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…