سوريا المتعددة… بين واقع التنوّع ومسؤولية بناء عقد وطني جديد

شادي حاجي
منذ تشكل الدولة السورية الحديثة ظلّ سؤال الهوية السؤال المؤجل الذي لم يُحسم قطّ. ومع مرور الزمن وتراكم السياسات المركزية والاختزالية، تحوّل هذا السؤال إلى واحدة من أعقد مشكلات الدولة. فالحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أنّ سوريا دولة متعددة القوميات والأديان والطوائف والثقافات: الكرد بهويتهم القومية الواضحة، العلويون بتاريخهم الاجتماعي والسياسي، الدروز بمكانهم وتقاليدهم المميزة، المسيحيون بتنوع كنائسهم وتوزّع حضورهم، إلى جانب العرب الذين يشكّلون المكوّن الأكبر، لكنهم ليسوا المكوّن الوحيد.
هذه التعددية ليست تفصيلاً جغرافياً أو ديموغرافياً فحسب، بل جزءاً جوهرياً من هوية سوريا. ومن دون الاعتراف بها واحترام خصوصيتها وحقوقها لن يكون ممكناً بناء دولة مستقرة. فكل مكوّن من هذه المكونات له مناطقه وتاريخه وامتداداته القومية والسياسية والثقافية والدينية، وله أيضاً هواجسه ومطالبه وحقوقه المشروعة. إنّ تجاوز هذه الحقائق كان في قلب الأزمة، وبالتالي فإنّ الاعتراف بها يجب أن يكون في قلب الحلّ.
الحوار الشامل… المدخل الوحيد لنهضة الدولة
لقد أثبتت التجربة السورية أنّ غياب الحوار الوطني الشامل بين هذه المكونات لم يعد مجرد نقص سياسي، بل أصبح خطأً تاريخياً كلّف البلاد كثيراً. فمن دون مشاركة الكرد والعرب والمسيحيين والعلويين والدروز وسائر الجماعات في صياغة مستقبل البلاد لن يولد مشروع وطني قادر على الصمود.
الحوار المطلوب ليس اجتماعاً شكلياً ولا طاولةً للمجاملات السياسية، بل نقاشاً جذرياً وجديّاً حول شكل الدولة وآليات الحكم والهوية الوطنية الجامعة. الحوار الذي يضع كل المخاوف والشكوك والحقوق على الطاولة ويعترف بأن لكل مكوّن تجربةً مريرة ومخاوف مستقبلية ينبغي التعامل معها بمسؤولية وجدية.
الضمانات فوق الدستورية… ضرورة تفرضها تجارب الدول المتعددة
عند النظر في تجارب الدول المتعددة القوميات يتبين أنّ الاستقرار لم يتحقق فيها إلا عبر ضمانات دستورية صلبة تحمي حقوق المكونات من التأويل والالتفاف.
سويسرا لم تكن لتستقر لولا الاعتراف الصريح بخصوصيات الكانتونات اللغوية والدينية وضمان تمثيلها المتساوي في السلطة الاتحادية.
بلجيكا تجاوزت أزماتها القومية عندما اعترفت رسمياً بهوية الفلامان والوالون ومنحتهم صلاحيات واسعة.
العراق بعد عام ٢٠٠٣ — بكل تعقيداته — لم يكن ممكناً أن يستمر موحداً لولا النصوص الدستورية التي اعترفت بكردستان الفدرالية كياناً يمتلك سلطات دستورية مشروعة، رغم ما شاب التجربة من أخطاء وما زال.
هذه التجارب تُظهر أنّ المجتمعات المتعددة لا تستقر قوةً ولا شعاراتٍ، بل بالاتفاقات الواضحة والضمانات الدستورية والقانونية التي لا تسمح لأي طرف بالتغوّل على الآخرين. وسوريا ليست استثناءاً. بل إن حاجتها لهذه الضمانات أكبر، لأن تاريخها الحديث شهد تحولات سياسية متقلبة ومركزية مفرطة جعلت كثيراً من المكونات يشعر أنّ حقوقه ليست مصانة.
وأخيراً وليس آخراً
سوريا لا تُبنى قوةً ولا إنكاراً ولا إقصاءً ولا تهميشاً، بل حين يقرّ السوريون- بكل قومياتهم وأديانهم وأطيافهم- أنّ سوريا ليست دولة هوية واحدة ولا لوناً واحداً ولا صوتاً واحداً، بل دولةً متعددة تقوى بتعدديتها. وعندها فقط يبدأ المستقبل فعلاً بالتحول.
وإلى مستقبلٍ أفضل.
ألمانيا٢٧/١١/٢٠٢٥

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…