كوردستان… الجغرافيا التي نُفيت من نفسها والشرق الذي يتهيّأ لولادة ثانية

صبحي دقوري

ليس في تاريخ هذا الشرق جغرافيا تعرّضت لما تعرّضت له كوردستان: أرضٌ تُرى ولا تُرسَم، صوتٌ يُسمَع ولا يُعترف به، وحضورٌ يطفو فوق الخرائط كما يطفو السرّ فوق الماء: يُدركه كلّ أحد، ويُنكره كلّ من بيده القلم.

فحين انطفأت أنفاس الدولة العثمانية عند مطلع القرن العشرين، لم يكن الشرق يتهيّأ لمرحلة جديدة، بل لولادةٍ على طاولة الجراحة. الإمبراطوريات لا ترسم الخرائط بريشٍ من حرير، بل بسكاكين من فولاذ. وهكذا بدأ الانقضاض على الجسد الممتد من جبال أرارات حتى سفوح زاغروس، جسد اسمه كوردستان، كان يُعامل كأنما هو فائض جغرافيّ لا ضرورة له، يمكن إعادة تقطيعه بما يلائم شهية القوى المنتصرة.

كانت بريطانيا، سيدة البحار يومئذٍ، ترى في نفط كركوك تاج القرن، وفي الموصل جوهرة لا يجوز أن تعود إلى يدٍ غير يدها. لم تنظر إلى الكورد بوصفهم شعباً، بل بوصفهم “ممرّاً” يجب ضبطه، و“فراغاً” ينبغي سدّه، و“خطرًا كامناً” قد يفتح لتركيا، إذا نهضت يوماً، بوابةً نحو الجنوب. فمدّت الخطوط من كركوك إلى المتوسط، وأحكمت قبضتها على مفاصل الجغرافيا، ثم صنعت ـــ بدهاء الإمبراطوريات العريقة ـــ تركياً جديدة تُحاصر من كلّ صوب، وتُربَط داخل حدود ضيّقة لا تسمح لها بالتمدد ولا بالتمرّد.

أما فرنسا، فكانت تنظر إلى الشرق بعينٍ لا تقلّ دهاءً: عين المنتدِب الذي يخشى أن تفلت دمشق وبيروت من كفه. فساومت، وقايضت، ودفعت لواءً سورياً كاملاً إلى تركيا كي تضمن سكون بقية الأرض. وهكذا سُلِخ لواء إسكندرون كما يُسلَخ الجلد عن العظم، لا لشيء إلا لتثبيت حدود الانتداب وتحصين مصالحه.

ثم جاءت البلشفية، فإذا الشرق كله يتحول إلى جبهة.

صار قيام دولة كوردية في قلب تلك الجبهة خطاً أحمر، فالغرب يخشى أن تغدو جسراً يمتد منه النفوذ الأحمر إلى المياه الدافئة، والشرق ـــ أعني موسكو ـــ يخشى أن تكون جسراً يمتد منه النفوذ الغربيّ إلى قلب القوقاز. فكان القرار الصامت: إلغاء كوردستان من سِجلّ الضرورات الدولية.

وتتابعت الضربات.

فحين قامت إسرائيل عام 1948، وجدت القوى الكبرى أنّ الشرق لا يحتمل ولادتين في زمن واحد. دولة تُقام، ودولة تُلغى. مشروع يُمنح الشرعية، وآخر يُدفن في الظل. فزادت القبضة على الكورد، واشتغلت في أنقرة وبغداد ودمشق وطهران مصانعُ القمع بتفانٍ مدهش، حتى غدت كوردستان أشبه بصوتٍ يُسمع عبر جدرانٍ سميكة: يُدركه الجميع، ولا يتيح له أحدٌ أن يخرج إلى العلن.

لكن هيهات للزمن أن يثبت على حال.

فتركيا التي شُيّدت لتكون حارساً على بوابة الجنوب فقدت وظيفتها.

وسوريا والعراق، اللذان صُنعا كما تُصنع الدول الورقية، انفرط عقدهما.

وإيران، التي طالما رأت في الجغرافيا درعها الأكبر، أخذت تتشقق عند الأطراف.

وإذ تهاوت الدول الأربع التي قُسّمت عليها كوردستان، نهضت الجغرافيا ذاتها من تحت الركام، كأنها تعلن أن الخرائط لا تستطيع أن تُبقي شعباً خارج التاريخ مهما طال زمن الإقصاء.

اليوم، في زمن الممرّات الاقتصادية الكبرى، وخطوط الغاز العابرة للقارات، ومشاريع الطاقة التي تغير مصائر الأمم، تعود كوردستان إلى قلب المشهد، لا بوصفها “مسألة قومية”، بل بوصفها شرطاً هندسياً لا يمكن تجاوزه. فالشرق يُعاد بناؤه على أساس الممرّات، وكلّ الممرات ـــ من القوقاز إلى المتوسط، ومن الخليج إلى أوروبا ـــ تمرّ اضطراراً في الأرض التي طال تغييبها: كوردستان.

ويا للمفارقة العظمى:

إن القوى ذاتها التي تآمرت على كوردستان قبل قرن، هي نفسها التي تعود اليوم لتفتح الخرائط من جديد، لأنها أدركت أن خرائط 1916 و1920 و1923 لم تعد قابلة للحياة. صارت كالأوعية القديمة التي ينفجر فيها النبيذ الجديد.

إن الشرق، بكلّ ثقله وأقداره وأعصابه، يقف اليوم على عتبة ميلاد ثانٍ.

ومَن كان ضحية التفاهمات الكبرى بالأمس، يصبح اليوم ركناً من أركانها.

ومَن كان اسمه هامشياً يُقال همساً، سيُقال جهراً على طاولة المفاوضات.

كوردستان لا تعود حلماً،

ولا شعاراً،

ولا نزوة وجدانيّة.

إنها قانون الجغرافيا حين يطالب بحقه،

وقدر الشرق حين يجنح إلى الخلق من جديد،

وصوت القرن الجديد وهو يعلن أن ما أُجّل طويلاً… لا يمكن تأجيله بعد اليوم.

ويبقى السؤال، وهو سؤال التاريخ كلّه:

هل سيمدّ الكورد هذه المرّة أيديهم إلى القلم الذي تُرسَم به الحدود، أم سيتركون غيرهم يكتب الخرائط مرة أخرى؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…