الحرب مع ” قسد ” لن تكون نزهة عابرة …!!!

دلدار بدرخان

بعض المحللين السياسيين ممّن اعتادوا اختزال المأساة في نشرة إخبارية أو انتصار وهمي، يصورون الحرب على “قسد” وكأنها نزهة عابرة، لا تستغرق سوى أيام معدودات، ويستشهدون بسيناريو عفرين ورأس العين وتل أبيض، معتبرين ما جرى هناك نموذجاً حياً، ويُختزل في معادلة بسيطة وهي (قوة الفصائل مع فزعة العشائر وبدعم تركي × ضعف قسد وانشقاق العرب ضمن صفوفه مع تراجع التحالف)، ويعتقدون أن بإمكانهم تكرار السيناريو على أي بقعة أخرى من الجغرافيا السورية.

لكنهم ينسون أو يتناسون أن هذه الحرب لن تكون مشهداً درامياً على شاشة التلفاز ، وإنما ستكون نار إذا اشتعلت لن تفرق بين من أشعلها ومن احترق بها،
وبغض النظر عن مواقفنا السياسية إلا أن الحديث عن اجتياح لمنطقة مفتوحة “كشمال وشرق سوريا” التي تحكمها قوة عسكرية منضبة ومدربة ومنظمة، وتمتلك من العتاد والسلاح ما لا تملكه اي قوة عسكرية أخرى على الارض السورية، وتستند إلى خرائط الأرض، وتحاذي حدود ثلاث دول، ما هي إلا استهانة بدماء البشر، واستخفافاً بذاكرة التاريخ والجغرافيا.

ولا سيما حين يتحول كل مقاتل في تلك الرقعة من الأرض إلى مشروع شهادة، ويتحول كل بيت إلى متراس مقاومة، فهذه الحرب إن حصلت لن تكون على قسد وحدها، وإنما ستكون معركة وجود وبقاء لشعوب هذه المنطقة، وستمتد نيرانها إلى العمق الكُردي في سوريا وتركيا ، وإيران، والعراق، وتتحول الجغرافيا إلى بركان يصعب إخماده.

ولن تكون وحدها دماء تلك الأرض من تُراق، بل ستتحرك معها مكونات سورية أخرى من الدروز إلى العلويين والى المسيحيين، وحتى شريحة واسعة من العرب السنة الذين وجدوا أنفسهم مهمشين وخارج معادلة الوطن.

وحينها لن تبقى سوريا وطناً ممزقاً فقط ، وإنما ستتحول إلى كتلة من الجحيم ، لا يطفئها نصر مؤقت ، ولا يُسكتها خطاب تعبوي.

ولهذا لا أرى في هذه الحرب حلاً ولا مخرجاً ، وإنما أراها كارثة وطنية ستأكل الأخضر واليابس، وانتحاراً جماعياً لن يُبقي من سوريا إلا رماداً متناحراً ، وإنني بكل وضوح أستبعد اندلاع هذه الحرب، وأرفضها كخيار أخلاقي وسياسي وشعبي ،فلا مناص إلا بالتفاهم والحوار، وصياغة عقد اجتماعي جديد يُولد من الإرادة الجماعية، ويضمن حقوق جميع المكونات، وعلى أن تبنى سوريا القادمة بالشراكة وبالاعتراف و العدالة، فزمن الاستبداد والتفرد والاختكار قد انتهى، وزمن ما بعد الطاغية لا بد أن يكون مختلفاً، أو لن يكون على الإطلاق.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…