الهوية القومية الكردية بين التنظير السياسي والواقع الاجتماعي: ردّ أكاديمي على أطروحة أوجلان

ديسم سيتي

أثار الخطاب الأخير المنسوب لعبدالله أوجلان، والذي يصف الكرد بوصفهم “مجتمعًا” لا “أمة”، نقاشًا واسعًا حول طبيعة الهوية الكردية ومعايير تصنيفها. ورغم أنّ الطرح الأوجلاني منسجم مع منظومته الفكرية القائمة على “الأمة الديمقراطية” و”المجتمع اللامركزي”، فإنّ توصيف الهوية الكردية يحتاج إلى فحص علمي ضمن إطار نظريات القومية الحديثة.

  1. إطار نظري: من هو الشعب ومن هي الأمة؟

تُعرِّف مدارس القومية—كما لدى إرنست غلنر، بندكت أندرسون، أنتوني سميث—الأمة بأنها جماعة بشرية تشترك في:

  1. سردية تاريخية مشتركة،
  2. لغة متداولة قادرة على إنتاج ثقافة مشتركة،
  3. شعور جماعي بالانتماء،
  4. ارتباط بموطن جغرافي محدّد،
  5. مطالبة سياسية بالاعتراف أو السيادة.

بهذا المعنى، الأمة ليست كيانًا بيولوجيًا أو قبليًا، بل بناء اجتماعي-ثقافي مستمرّ التشكل.

  1. موقع الأكراد ضمن هذا الإطار

تستوفي الحالة الكردية معظم عناصر تعريف الأمة:

وجود جماعة بشرية واسعة متصلة تاريخيًا،

لغة متجذّرة ذات لهجات متقاربة ضمن عائلة لغوية واحدة،

سرديات تراثية موحدة حول الجغرافيا الكردستانية،

ذاكرة سياسية مشتركة تتضمن المطالبة بالاعتراف والحقوق،

توزّع جغرافي متواصل رغم التقسيمات الحديثة.

وبذلك، فإن توصيف الكرد بوصفهم “أمة” ليس ادعاءً سياسيًا فقط، بل نتيجة تحليل سوسيولوجي وتاريخي.

  1. إشكالية توصيف “المجتمع” في خطاب أوجلان

عندما يستعمل أوجلان مصطلح “المجتمع الكردي”، فإنه يفعل ذلك من داخل مشروعه الأيديولوجي الذي يسعى إلى تجاوز الدولة القومية لمصلحة نموذج “الكونفدرالية الديمقراطية”. هذا الطرح لا ينكر وجود هوية كردية، لكنه يعيد تعريفها خارج إطار الدولة القومية الحديثة.

غير أنّ الإشكال يظهر حين يُستخدم المفهوم بطريقة قد تُفهم بأنها تجريد للأكراد من حقّهم القومي أو تحويلهم إلى مكوّن داخل بنى سياسية قائمة، مثل الدولة التركية. وهنا يبرز التناقض بين النظرية السياسية لأوجلان وواقع ملايين الأكراد الذين يفهمون هويتهم قوميًا لا اجتماعيًا فقط.

  1. مقارنة مختصرة مع مكونات أخرى في الشرق الأوسط

لا يمكن اختزال الهويات في المنطقة إلى معادلة واحدة. هناك هويات سياسية (كالتركية الحديثة)، وهويات دينية (كاليهودية في بعض تعريفاتها)، وهويات تاريخية وإثنية (كالآشوريين والعرب والكرد). لذا، فإن نفي صفة “الأمة” عن الجميع ومنحها لآخرين ليس منهجًا علميًا، بل موقفًا سياسيًا.

  1. مخاطر الاختزال اللغوي

تغيير المصطلحات ليس أمرًا محايدًا:

وصف الكرد بـ”مجتمع” قد يؤدي، ولو غير مقصود، إلى نزع شرعية المطالب القومية.

بينما الاعتراف بهم كـ”أمة” ينسجم مع المعايير الأكاديمية، حتى إن اختلفت القراءات السياسية.

خلاصة

يمكن النظر إلى خطاب أوجلان بوصفه محاولة لإعادة صياغة الهوية الكردية بما يخدم مشروعًا سياسيًا معيّنًا، لا كحكم معرفي نهائي حول طبيعة الأمة الكردية. أما من منظور دراسات القومية، فالمعطيات التاريخية والثقافية والجغرافية تدعم اعتبار الكرد أمة قائمة، لا مجرد مجتمع أو طائفة.

إنّ النقاش حول مستقبل الكرد السياسي مشروع ومفتوح، لكنّه ينبغي أن ينطلق من توصيف علمي دقيق للهوية، لا من إعادة تعريفها وفق أهداف أيديولوجية.

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى ) بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا…

كفاح محمود في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول….

شادي حاجي يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية. وتُعد القضية…

انا المواطن محمد امين شيخ عبدي المعروف بـ(( شيخ امين ))، والمقيم في دمشق، خريج سجون حافظ الاسد (( 100 شهر عرفي آب 1973 – تشرين الثاني 1981 ))، عضو المكتب السياسي للبارتي حتى آب 2011، وعضو هيئة رئاسة اعلان دمشق منذ عام 2007. اتقدم بطلبي ودعوتي هذه الى سيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع: اولا:اطالب باقالة كل من السادة: اللواء…