على طرفي النقيض بين زيارة محمد بن سلمان والجولاني للبيت الأبيض

د. محمود عباس

لم يكن المشهد في واشنطن مجرد زيارتين متتاليتين؛ بل كان استعراضًا صارخًا للفارق بين مشروعين، ورجلين، ومستقبلين.

رجلٌ يدخل البيت الأبيض على صدى الاتفاقيات العملاقة ويهزّ السياسة الأميركية بحجمه الاقتصادي والاستراتيجي.

وآخر يتسلّل إلى المبنى ذاته من ممرّات الظلال، محمولًا على أكتاف جماعات تكفيرية، يبحث عن شرعية ضائعة بين أدراج المكاتب المغلقة.

في يوم واحد، وقفت أمريكا أمام صورتين متناقضتين حدّ التنافر؛ إحداهما تُمثّل دولة تسعى إلى عضوية نادي القوى الكبرى، والأخرى تمثّل ميليشيا تحاول تقليد دور الدولة وهي عاجزة حتى عن تمثيل نفسها.

هكذا تفتّحت أبواب البيت الأبيض لمحمد بن سلمان، وهكذا أُغلقت تقريبًا في وجه الجولاني.

على طرفي النقيض، زيارتي الأمير محمد بن سلمان والجولاني للبيت الأبيض، دخلها الأمير على أكتاف تريليون دولار، وبإستقباله كل الإدارة الأميركية وحكومة ترامب، وجيش من البروتوكولات والتشريفات، وصفقات اقتصادية ملأت أسبوعًا كاملًا من العمل وتوقيع العقود.

أما الجولاني، فدخلها من أبواب سرّية، وخرج بصمتٍ ثقيل؛ لم يتوقف خلالها عمل أي موظف لاستقباله. لم يحرك وجوده شيئًا باستثناء بعض من كانوا مكلّفين بإلقاء الإملاءات عليه، فوقف أمام ترامب مستندًا إلى منظمات غارقة في الإرهاب، وإلى شريحة سنية متطرفة تُعيد إنتاج الحقد والكراهية ضد مكونات سوريا.

كنا نأمل أن يدخل البيت الأبيض رئيسٌ سوري يليق بالدولة التي تستحق أن تكون وطنًا، يحمل معه أحلام الشعوب السورية لا رغبات فئة متطرفة تسعى لتكرار استبداد البعث وتقليد استعلاء الأسد على بقية المكونات.

وهذا ما انعكس اليوم حين سألته إحدى الصحفيات عن سوريا، فاختصر ترامب إجابته على غير عادته، قائلًا إنه يسعى “لتتعافى سوريا”، وأن رئيسها “قوي”، وأنه يتعامل معها حسب ما يقدمه محمد بن سلمان وأردوغان من مطالب. كلمات مقتضبة، لكنها عكست أن البيت الأبيض تلقى الكثير من الشروح والتحذيرات حول تعقيدات المشهد السوري، وأن التماهي مع السلطة الحالية أصبح عبئًا أكثر مما هو مصلحة، وهي إشارات قد تنعكس حتى على نشاط مبعوثه الخاص توماس باراك.

وقد تكون هذه الرسائل قد وصلت إلى الجولاني؛ لذلك بدأ بتوسيع دوائر علاقاته الخارجية إلى درجة طرق أبواب الصين بحثًا عن الاستثمارات، وكأنه توهم أن بكين قادرة على تجاوز الحصار الأميركي. ولأجل استرضائها، لم يتردد بالتصريح بأن “تايوان جزء من الصين” على أمل أن يمنحه الصينيون جملة سياسية مماثلة. وكل هذا ليس إلا رسائل يائسة إلى واشنطن.

والمعروف أن أميركا تمهل ولا تهمل، ولربما بدأت ساعة العدّ التنازلي لحكومته قبل أن يتصور.

أما الأمير محمد بن سلمان، فجاء ليرفع مكانة السعودية إلى مصاف الدول الكبرى؛ عسكريًا باتفاقية دفاع مشترك أعلنها ترامب، ورسّخها بالموافقة على بيع طائرات F-35 حتى وإن كانت من النسخة الثالثة غير المطوّرة بالكامل، ونُشرت روايات تزعم أنّ الصفقة أثارت امتعاض إسرائيل، لكن الواقع مغاير تمامًا؛ فلم تكن الصفقة خارج دائرة موافقتها، بل جاءت منسجمة مع رؤيتها الاستراتيجية، ما دامت تصبّ في إطار الجبهة المُشكّلة لمواجهة إيران وأذرعها في المنطقة. ويزداد هذا الترابط وضوحًا مع الاحتمالات المتنامية لنجاح الاتفاقيات الإبراهيمية بين السعودية وإسرائيل، الأمر الذي يجعل أي خطوة تُعزّز اصطفافهما الإقليمي جزءًا من معادلة مدروسة، لا مفاجأة دبلوماسية، وهنا تتقاطع مصالح أمريكا وإسرائيل مع الحلف السني في مواجهة الشيعي.

ورغم حاجة الصفقة إلى موافقة الكونغرس، فهي إنجاز عسكري ضخم لم تحصل عليه تركيا رغم عقد من الصراع والمساومات وهي الدولة الثانية في الناتو.

وحمل الأمير ملفات ضخمة تُفتح بها أبواب المستقبل، استثمارات ذكاء اصطناعي، مفاعلات نووية مدنية، شركات تقنية، ومشاريع تشحن الاقتصاد السعودي نحو عصر جديد.

وفي السياسة، ظهر تقاطع المصالح بين واشنطن والرياض بشكل لافت، ومنها ملف الاعتراف بحكومة أحمد الشرع ورفع العقوبات عن سوريا، ليس حبًا بالنظام، بل لتقوية الحلف السني، ومن ثم تمكين الشركات السعودية من الاستثمار هناك، وفي الخلفية يقف صهر ترامب، جاريد كوشنر، الذي حصد من السعودية استثمارات تجاوزت ملياري دولار، إضافة إلى استثمارات الشركات التي يرأسها ابن ترامب، دونالد جون ترامب؛ وكل ذلك جعل الأمير أكثر قدرة على إقناع الإدارة الأميركية بدعوة الجولاني إلى البيت الأبيض، ضمن لعبة مصالح كبيرة تتحرك فيها تركيا والسعودية بالتوازي.

لكن الاختلاف الجوهري بين الرجلين واضح:

فالأمير محمد، وهو خريج مدارس السياسة البريطانية تدريبًا وخبرة، يريد سوريا دولة، جزءًا من الجغرافيا السنية العربية.

وأردوغان، بخلفيته العثمانية المتكلّسة، لا يريد سوريا دولة، بل سلطة تطيعه وتخدم طموحاته وتمهّد حروبه ضد الشعب الكردي وقضيته.

بين المشروعين، تقف الإنسانية في كفة، ونقيضها في الكفة الأخرى: الخير والشر، الحق والباطل، الدولة والميليشيا.

في نهاية المشهد، لم يكن الفارق بين الزيارتين هو البروتوكول ولا الأبواب التي فُتحت أو أُغلقت؛

الأمير، حتى مع كل تحفظاتنا، جاء محمّلًا بمشروع دولة،

والجولاني جاء مثقلًا بإرث جماعات لا تؤمن بالدولة أصلًا.

الأول يتحدث لغة الاستثمار والتحالفات، لبناء وتطوير الشركات الأمريكية الخوارزمية العملاقة في السعودية.

والثاني يتقن لغة المبايعات والرايات السود في سوريا.

أما أميركا، التي تمهل ولا تهمل، فقد سجّلت اللحظتين في ذاكرتها، هل هي زيارة رأس دولةٍ صاعدة، أم زيارة زعيم ميليشيا يتلاشى تأثيره. وبين اللحظتين، تتحدد معالم سوريا القادمة، وتتكشف حقيقة من سيبقى على المسرح، ومن ستبتلعه عتمة الممرات الخلفية.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

18/11/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….