الحذر من الدبلوماسية الخادعة: رؤية كردية واقعية للتحالفات في سوريا

شادي حاجي

تصبح التحالفات السياسية، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية في سوريا، رهناً بتوازنات متقلبة، إذ يفرض ذلك على القوى الكردية الحفاظ على نهج سياسي واقعي حذر ومسؤول يحمي مصالح الشعب ويُقلّل المخاطر ويمنع الوقوع في فخ الدبلوماسية الخادعة.

تحليل النوايا قبل التصريحات وفحص وتقييم سجل الأطراف لمعرفة مدى التزامها بتعهداتها، حيث يطرح ذلك أسئلة حيوية:
هل سبق أن غيّروا مواقفهم؟
هل التزموا بتفاهماتهم؟
ومقارنة ما تقوله الأطراف في العلن مع ما تنفّذه على الأرض.

تجنّب الاعتماد على طرف واحد مهما كان داعماً ضرورة، إذ يجعل الاعتماد المطلق على دولة أو جهة سياسية واحدة يجعل الحركة السياسية الكردية رهينة لتغيّرات مزاج تلك الدولة أو الجهة، فيما يضمن بناء شبكة علاقات متنوعة ومتعددة الاتجاهات خلق توازنٍ يمنع الابتزاز السياسي.

الاتفاقيات المكتوبة والمحددة زمنياً ضرورة لحماية الحقوق، مع فهم دقيق لمصالح كل طرف في سوريا، وإنما يتطلب ذلك فهماً للسؤال التالي:
ماذا يريد هذا الطرف أو ذاك في سوريا؟
هل تتقاطع فعلاً مصلحته الحالية مع مصالح الشعب الكردي أم أنها ظرفية؟
هذا يعني أن أي تفاهم يجب أن يكون مكتوباً، محدد البنود، مرتبطاً بضمانات واضحة وتحت رعاية دولية (التحالف الدولي الممثلة بأمريكا – الأمم المتحدة – الاتحاد الأوروبي.. نموذجاً)، كما يجب الحذر من الاعتماد على “التفاهمات الشفهية” التي يمكن للتغيير السياسي أن يمحوها بسهولة.

أي سياسة ناجحة تتطلب بناء أو تعزيز أوراق القوة الداخلية قبل أي تحالف خارجي، إذ لا تأتي قوة المفاوض من التحالفات فقط بل من وحدة الصف الكردي قدر الإمكان، وشرعية شعبية، وإدارة مستقرة. إلى جانب ذلك، ينبغي تنويع مصادر المعلومات وتبنّي القراءة التحليلية للواقع، وعدم الاكتفاء بالمعلومات الواردة من حلفاء محتملين، كما تبرز أهمية الاستعانة بخبراء مستقلين، مراكز بحث، مستشارين قانونيين، وقنوات دبلوماسية موازية، فضلاً عن دراسة خرائط النفوذ والتوازنات في المنطقة بشكل مفصّل.

كلما كانت الأوراق الذاتية قوية، تقلّ الحاجة إلى الاعتماد على أطراف متقلبة، كما تُعد الشفافية مع الشعب وإبقاؤه على اطلاع عاملاً يحدّ من قدرة أي طرف خارجي على فرض أجندات خفية. فالشفافية تولّد ثقة داخلية وتخلق ضغطاً شعبياً يمنع اتخاذ قرارات متسرّعة، فيما يساعد اختبار التحالفات تدريجياً على تقييم مصداقية الشركاء قبل توقيع اتفاقيات كبيرة. ويظل الابتعاد عن الصراعات بالوكالة شرطاً أساسياً لحماية الاستقرار، مع ضرورة الاستعداد الدائم لخطط بديلة تحسباً لأي تخلٍّ من جانب الحلفاء.

وهنا لابد من التوضيح أن الحذر لا يعني الانعزال، والتحالف لا يعني التبعية، إذ تعدّ سوريا ساحة معقّدة تتطلب دبلوماسيتها وعياً عميقاً بالتوازنات. السياسة الكردية في سوريا تحتاج إلى واقعية، وحدة داخلية، وتحالفات مدروسة ومحسوبة مبنية على المصالح الحقيقية الواضحة وليس الوعود الشفهية والمؤقتة.

وأخيراً وليس آخراً على الحركة السياسية الكردية في سوريا الاستعداد الدائم لسيناريوهات التراجع أو التخلّي، وتأسيساً على ذلك يجب بناء خطط بديلة (Plan B – Plan C) والتفكير مسبقاً:
ماذا لو تخلّى عنا هذا الطرف أو ذاك؟
كيف نحمي مناطقنا؟
كيف نضمن الاستمرار السياسي؟
وإلى مستقبل أفضل.
ألمانيا في 17/11/2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…