بين ظلام التكفير واغتيال الكلمة دفاع عن حرية الفكر والمثقفين الأحرار في سوريا

د. محمود عباس

من أخطر الظواهر التي تعيد إنتاج عصور الجهل والظلام في واقعنا السوري الراهن، تلك الموجة المسعورة التي تستهدف المفكرين والكتّاب الأحرار، ومن بينهم الكاتب الكوردي (هوشنك أوسي) وسائر الأقلام الديمقراطية المستقلة، التي تكتب بضمير وطني حرّ، والتي ندينها بأشد العبارات. فالهجمة لا تصدر عن نقد فكري مشروع، بل تُشنّ بأدوات التكفير والتحريض من قبل فلول التطرف وبقايا تنظيم داعش الذين أُعيد تجنيدهم داخل الحكومة السورية الانتقالية أو في أذرعها الإعلامية.

وليس المقصود هنا ما جرى في الحوار على المنصة الإعلامية المنحازة، بل ما تجاوزه من موجات العداء الممنهج والتكفير الموجّه، التي تكشف عمق الخطر الثقافي المحدق بالمجتمع السوري، حين يُستبدل الحوار بالفِرية، والفكر بالتكفير.

هؤلاء لا يحاربون الأشخاص بقدر ما يحاربون الفكر، ولا يخشون المقال بقدر ما يخشون النور، فحين يُحاصَر الفكر الحر باسم الوطنية، ويُكفَّر الاختلاف باسم الدين، تتحول الساحة الثقافية إلى مستنقع موبوء بالبغضاء والجهالة، يُدفع فيه المجتمع السوري إلى الضياع الفكري والانحطاط القيمي.

إنّ التاريخ، منذ صدر الإسلام حتى اليوم، حافلٌ بصفحات مشابهة لهذه الحقبة المظلمة التي نعيشها. الأنظمة التي حكمت باسم الإيمان أو تحت شعار الأمة كانت، في حقيقتها، أدواتٍ للقمع الفكري وإعدام العقل.

من غيلان الدمشقي والجعد بن درهم الذين أُعدِموا في العصر الأموي، إلى الحلاج وابن المقفع والرازي وابن الراوندي الذين عُذّبوا وكُفّروا في العصور العباسية، مرورًا بـ السهروردي وابن رشد وابن حزم الذين أُحرقت كتبهم وطوردوا في الأندلس، وصولًا إلى عبد الرحمن الكواكبي الذي سُمّم في القاهرة، ثم فرج فودة ونصر حامد أبو زيد وحسين مروة الذين اغتالتهم رصاصات الجهل في عصرنا الحديث، وطه حسين والسيد قمني تم تكفيرهم، جميعهم دفعوا ثمن الكلمة، لا السيف، وثمن الوعي، لا الولاء.

وما أشبه اليوم بالأمس، إذ تستعيد التنظيمات الجهادية والمنصات الإعلامية التابعة للحكومة السورية الانتقالية هذا الإرث الدموي، وتعيد إنتاج ثقافة التكفير، وكأنها نسخة حديثة من محاكم التفتيش الإسلامية في ثوبٍ جديد.

فما يجري من تحريضٍ إعلامي على الكتاب والمفكرين السوريين، الكورد والعرب وغيرهم، تحت شعارات القبائل والهوية الوطنية، ليس سوى وباء ثقافي يلتهم ما تبقّى من قيم التنوير. القبائل العربية الأصيلة بريئة من هذه العصبيات المصطنعة، كما أن الوطنية بريئة من هذا الانحدار الأخلاقي. فالحكومات التي تُهاجم مفكريها هي تلك التي تخشى وعي شعوبها، وتدرك أن أول رصاصة تُطلق على الكلمة هي إعلان مبكر لموت الدولة.

إنّ ما يتعرض له الكاتب هوشنك أوسي اليوم ليس استثناءً، بل استمرارٌ لمنهج طويل من العداء للكورد وللفكر الحر معًا. فكل انتقادٍ يوجّهه مثقفٌ كوردي يُتَّهم بأنه “إرهابي” أو “تابع لقنديل”، وكأنّ الهوية الكوردية بحد ذاتها تهمة. إنّ هذا المنطق السقيم يفضح عمق الأزمة الفكرية لدى التيارات العروبية الشوفينية التي تصادر الحريات باسم الوحدة الوطنية، وتُعيد إنتاج خطاب البعث والإسلام السياسي التكفيري في آنٍ واحد.

وقد كان من قبله معاذ حرب وغيره من الأبواق الإعلامية يمهّدون لهذه الحملة عبر إثارة الأسئلة المسمومة، وتحويل الانتماء القومي إلى جريمة، في مسعى واضح لطمس الهوية الكوردية وتشويه رموزها الفكرية.

ولعلّ أخطر ما في هذا المشهد أن تلك الحملات تجد دعمًا وتغطية من قوى إقليمية، تركيا وقطر والسعودية، التي تغلّف مشروعها الإيديولوجي بخطابٍ وطني زائف، وتستخدم الأدوات التكفيرية والإعلامية لضرب كل صوتٍ ديمقراطي حرّ يهدد مشاريعها. وهكذا يُراد لسوريا أن تُغرق نفسها من جديد في عصر الظلمات، حيث يُكفَّر المثقف، وتُحرق الكتب، وتُحاصر الكلمة الحرة خلف الجدران الحديدية للجهل.

إننا ندين بشدة هذا التحشيد المنظم من قبل الحكومة السورية الانتقالية أو أدواتها، ضد الكاتب (هوشنك أوسي) وكل الأقلام الحرة، كوردية كانت أم عربية، التي ترفض الانصياع لثقافة القطيع، وتصرّ على أن سوريا لا تُبنى بالولاء الأعمى، بل بالتعدد والاعتراف المتبادل. فالدفاع عن حرية الكلمة ليس ترفًا فكريًا، بل معركة وعيٍ من أجل بقاء الإنسان.

سوريا الحضارة التي أنجبت الفلاسفة والشعراء، لا يجوز أن تُختزل في ثقافة المداجن العقائدية. يجب أن تبقى ساحةً للفكر، ومنبرًا للإنسان، تتسع لكل الأقلام مهما اختلفت انتماءاتها، لأن التنوير ليس في اتفاق العقول، بل في حريتها.

حين تُغتال الكلمة، يموت الوطن قبل أبنائه. وحين يُكفَّر الفكر، تتحول الحرية إلى جريمة.

لهذا، فإنّ معركة المفكرين الأحرار اليوم ليست ضد شخصٍ أو سلطةٍ، بل ضد ظلامٍ يريد أن يبتلع الوعي السوري كله.

وإن بقي في هذا الوطن قلمٌ يكتب بحرية، فثمة أملٌ بأن تُهزم الجاهلية مهما ارتدت من عمائم وشعارات.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

14/11/ 2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…