فوز الحزب الديمقراطي الكوردستاني في انتخابات 13 نوفمبر 2025: انعكاسات داخلية وإقليمية في المشهد الكوردي

ماهين شيخاني

مقدمة

في الثالث عشر من نوفمبر 2025، شهد العراق حدثًا سياسياً بارزاً تمثل في فوز الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الانتخابات البرلمانية، محققاً نتائج غير مسبوقة تجاوزت حاجز المليون صوت. هذا الفوز لم يكن مجرد إنجاز انتخابي داخل إقليم كوردستان، بل حمل دلالات قومية عميقة، امتدت تأثيراتها إلى الكورد في سوريا، تركيا، وإيران، وأعادت تشكيل ملامح الخطاب السياسي الكوردي في المنطقة.

أولاً: السياق السياسي للانتخابات

جاءت الانتخابات في ظل تحديات سياسية واقتصادية متراكمة، أبرزها استمرار الخلافات بين هولير وبغداد حول ملفات النفط والموازنة، وتصاعد التوترات في المناطق المتنازع عليها. داخلياً، واجه الإقليم ضغوطاً شعبية تطالب بالإصلاح، وتحسين الخدمات، وتعزيز الشفافية. في هذا السياق، خاض الحزب الديمقراطي الكوردستاني حملته الانتخابية مستنداً إلى إرثه السياسي، وخطاب يركز على الاستقرار، التنمية، وتعزيز الحقوق الكوردية ضمن الدولة العراقية.

ثانياً: نتائج الانتخابات ودلالاتها

حقق الحزب الديمقراطي الكوردستاني فوزاً ساحقاً، محافظاً على غالبية مقاعده في هولير ودهوك، ومحققاً اختراقاً نوعياً في محافظة ديالى، حيث انتزع مقعد خانقين من الاتحاد الوطني الكوردستاني بعد خمس دورات متتالية، عبر تحالف انتخابي مع قائمة “العزم”. هذا الفوز يعكس توسعاً في القاعدة الشعبية للحزب، وقدرته على بناء تحالفات استراتيجية خارج الإقليم، ويمنحه وزناً تفاوضياً أكبر في الملفات العالقة مع بغداد.

ثالثاً: التأثير في المشهد الكوردي الداخلي

يعزز هذا الفوز موقع الحزب الديمقراطي الكوردستاني كقوة سياسية أولى في الإقليم، ويضعه في موقع القيادة لتشكيل الحكومة المحلية، وتوجيه السياسات العامة. كما أنه يفرض على الأحزاب الكوردية الأخرى، وعلى رأسها الاتحاد الوطني الكوردستاني، مراجعة استراتيجياتها السياسية والتنظيمية. داخلياً، يُتوقع أن يترجم الحزب هذا الفوز إلى خطوات عملية في مجالات الإصلاح الإداري، وتحسين الخدمات، وتعزيز الشراكة الوطنية.

رابعاً: التأثير الإقليمي على الكورد في سوريا، تركيا، وإيران

  1. كورد سوريا

في المناطق الكوردية , غرب كودستان ، يُنظر إلى فوز الحزب الديمقراطي الكوردستاني كإنجاز قومي يعزز من الروح المعنوية للكورد السوريين. عبّر سياسيون في مدينة قامشلو عن فخرهم بهذا الفوز، معتبرين أنه “فخر عظيم لكل الكورد”، كما وصفه الأستاذ أحمد السينو سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا ( البارتي ) : ” لقد أثبت الحزب الديمقراطي الكردستاني، مرةً أخرى، أنه حزبُ المؤسسات والرؤية، لا حزب اللحظة والشعار.

فمنذ أن رفع راية الثورة والتحرر قبل عقود، وهو يعمل بثباتٍ على ترسيخ قيم الديمقراطية، والتعايش، والعدالة الاجتماعية، وعلى بناء مؤسساتٍ قوية جعلت من إقليم كوردستان نموذجاً للاستقرار والتقدم في منطقة تتقاطع فيها الأزمات”.

  1. كورد تركيا

رغم القيود المفروضة على الأحزاب الكوردية في تركيا، فإن فوز الحزب الديمقراطي الكوردستاني يُنظر إليه كإشارة إيجابية على إمكانية تحقيق التمثيل السياسي للكورد في أنظمة متعددة القوميات. يعزز هذا الفوز من الخطاب القومي الكوردي المعتدل، ويمنح النشطاء الكورد في تركيا زخماً في مطالبهم بالحقوق الثقافية والسياسية، ضمن إطار الدولة التركية.

  1. كورد إيران

في إيران، حيث يعاني الكورد من التهميش السياسي، يُعد فوز الحزب الديمقراطي الكوردستاني نموذجاً ناجحاً للتمثيل السياسي الكوردي داخل دولة متعددة القوميات. يعزز هذا الفوز من الروح المعنوية لدى الأحزاب الكوردية الإيرانية، ويمنحها دعماً رمزياً في خطابها السياسي، خاصة في ما يتعلق بحقوق الحكم الذاتي والاعتراف بالهوية الكوردية.

خامساً: البُعد القومي الكوردي

يُنظر إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني على أنه حامل للمشروع الوطني الكوردي، القائم على تعزيز الهوية الكوردية ضمن الأطر السياسية القائمة، دون اللجوء إلى الصدام أو الانفصال. فوز الحزب في العراق يعزز من مكانته كمرجعية سياسية للكورد في المنطقة، ويمنحه دوراً قيادياً في التنسيق بين القوى الكوردية في الدول الأربع، بما يكرّس وحدة الخطاب السياسي الكوردي، ويعزز من فرص تحقيق الحقوق القومية في إطار سلمي وديمقراطي.

خاتمة

إن فوز الحزب الديمقراطي الكوردستاني في انتخابات نوفمبر 2025 يمثل نقطة تحول في التاريخ السياسي الكوردي، ليس فقط داخل العراق، بل على مستوى المنطقة بأكملها. هذا الفوز يعكس نضجاً في التجربة الديمقراطية الكوردية، ويمنح الأمل في مستقبل سياسي أكثر عدالة للكورد في سوريا، تركيا، وإيران. وبينما تتجه الأنظار إلى المرحلة المقبلة، يبقى التحدي الأكبر هو ترجمة هذا الفوز إلى إنجازات ملموسة تعزز الاستقرار، وتكرّس الشراكة الوطنية الحقيقية، وتفتح آفاقاً جديدة للتنسيق القومي الكوردي.

13-11-2025

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في مقالتها الأخيرة بالعربي الجديد ( عن نقاش المواطنة والأقليات في سورية ) ٥ \ ١ \ ٢٠٢٦ ، تعتبر الكاتبة السيدة سميرة المسالمة ” انني قولت مالم تقلها ” في ردي المعنون ” اعلى درجات التمثلية القومية ” المنشور بتاريخ ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥ ، على مقالتها السابقة : ” “مواطنون في دولة سورية… لا مكوّنات ولا أقليات”…

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…