القضية الكوردية بين التهميش والازدواجية في المواقف

المحامي عبدالرحمن محمد

الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ولكن كلمة الحق قد يراد بها الباطل. نعم، قوات سوريا الديمقراطية لا تمثل الكورد، ولكننا نختلف معكم لغياب استراتيجية سياسية واضحة لديكم لحل القضية الكوردية.

ماذا قدمتم للشعب الكوردي منذ سقوط النظام الساقط؟ وما هي حلولكم للقضية الكوردية كقضية سياسية وحقوقية تخص شعباً حرم من أبسط حقوقه لعقود طويلة؟

نعم، قسد لا تمثل الكورد، ولكن ما هي البدائل التي تملكونها؟ ولماذا تتفاوضون مع قسد وتتجاهلون الأحزاب السياسية الكوردية؟ لماذا لا تتفاوضون مع الوفد الكوردي الموحد والمنبثق من شبه إجماع كوردي؟

أنتم تمارسون ازدواجية المعايير والنفاق السياسي، فتصريحاتكم التي تقول إن الكورد إخوتنا وأهلنا، وإننا ضد قسد، ليست سوى استهلاك إعلامي لتضليل الحقيقة والواقع.

قسد قوات عسكرية وليست سياسية حتى تمثل الشعب الكوردي، إضافة إلى أن أغلبية عناصرها من المكونات العربية والسريانية والآشورية والتركمانية، ثم يأتي المكون الكوردي. تكرار عبارات مثل “الكورد إخوتنا وأهلنا وجزء من النسيج الاجتماعي السوري” هي كلمة حق يراد بها الباطل.

أين حقوق إخوتكم الكورد؟ لو كان الكوردي أخاك بالفعل، وكنت صادقاً وجاداً في كلامك، فالكوردي له من الحقوق ما لك، وعليه من الالتزامات ما عليك. إذا كان الكورد أهلكم، فهم شركاء لكم في الأرض والحق والسيادة والهوية.

وفق القانون الدولي والأعراف الدولية والشريعة الإسلامية وقانون الأحوال الشخصية السوري، لا يجوز حرمان الأخ من الميراث والحقوق شرعاً وقانوناً. لكن سياساتكم التمييزية والعنصرية وممارساتكم وجرائمكم منذ بداية الأزمة السورية، وبعد سقوط النظام المجرم وحتى اليوم، لا تختلف كثيراً عن سياسات النظام الساقط، بل في كثير من الأحيان كانت أكثر ظلماً وعدواناً وتوحشاً.

الجرائم المنظمة ضد الشعب الكوردي ما زالت مستمرة: منع عودة النازحين والمهجرين قسراً من عفرين وسري كانيه إلى ديارهم، الاستيلاء على أملاكهم، قطع أشجار الزيتون، وتغيير الطابع الديمغرافي للمناطق الكوردية، وهي أفعال ترتقي إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وإبادة جماعية.

القضية الكوردية ليست قضية شخصية أو مرتبطة بقسد أو غيرها، بل هي قضية سياسية وحقوقية لشعب مظلوم تاريخياً، حرم من ممارسة حقه في تقرير المصير، استناداً إلى مبدأ المساواة بين الشعوب في الحقوق وحقها في تقرير مصيرها المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، ومبدأ المساواة والأخوة في الشريعة الإسلامية.

يتعين عليكم أولاً الاعتراف بالمظلومية التاريخية التي لحقت بالشعب الكوردي، والإقرار بحقوقه السياسية، بما في ذلك حقه في تقرير مصيره، وفق منطق العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.

فالحرية لا تتجزأ، والظلم وجه واحد، ولا يمكن لشعب أن يعيش حراً ما دام يضطهد شعباً آخر.

قسد ذريعة وحجة أقبح من الذنب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…